
مقال 6 دقائق للقراءة
تحليق الشعراء علی مثلث برمودا (البحر المتدارك)
قراءة تتبع كتابات الشعراء على البحر المتدارك، نظرًا للخلط الذي يقع فيه بعض الشعراء بين البحر المتدارك وإيقاع الخبب.
في هذه المقال سنحلقُ معًا کما حلق الشعراءُ قديما وحديثا علی البحر المتدارك ( مثلث برمودا العروضيين ) کما سماه بعض الحداثيين، ومن المعروف أن هذا البحر هو البحر السادس عشر، وقد تدارکه الأخفش علی الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي أهمله، ومن هنا جاءت تسميته بالمتدارك، وقد عُزيَ سبب التسمية هذه، لکون الفراهيدي لم يجد أشعارا عربية علی هذا الوزن، فما هذا البحر سوی منهج تطبيقي عنده، وقد تعددت أسماٶه، ومنها ( المتدارَك، المتدارِك، المحدث، المخترع، المتسق، الشقيق ) انظر المعجم المفصل ص ١١٧ . المتدارك التام : مفتاح هذا البحر : حرکاتُ المُحدَثِ تنتقلُ فعِلنْ فَعِلن فعِلنْ فَعِلُ ووزنُه : فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن ومثال النظم عليه في کتب العروضيين : جاءنا فارسٌ ْْْمقبلًا مدبرا راکبًا مرکبًا حاملًا رمحَهُ وقد ذکر الدکتور عبدالله درويش أنه يقلُّ ورود " فاعلن " في الحشو صحيحةً، ويکثرُ استعمالُ البحرُ تامًا، ويقل مجزوءًا (دراسات في العروض والقافية، ص ٨٦ ) . ولم يذکر الشيخ معروف النودهي في منظومة الدرة العروضية إلا الوزن التام فقط بقوله : ومتدارك بفاعلن وزن تکراره ثمان مرات زکن عروضه وضربه قد سلما والخبن في هذا البحر کثير، وربما جاءت جميع تفعيلاته مخبونة، والخبن هو حذف الثاني الساکن من " فاعلن " فتصبح " فَعِلنْ " فيسمی حينٸذٍ الخبب، کقول الشيخ ناصيف اليازجي : سَبقَتْ دَرَکيْ فإذا نَفَرت سبقتْ أجليْ فدنا تَلَفي وربما جاءت جميع أجزاٸه مقطوعة، والقطع هو حذفُ النونِ الساکنةِ من " فاعلُنْ" وتسکينُ ما قبلها فتُصبح " فعْلنْ" فيسمی حينٸذٍ " قطر الميزاب" أو " دق الناقوس" (المعجم المفصل ص ١١٩) کقول بعضهم : حبي يبغي شيٸًا مني مما يکسي أو ما يُطعِمْ ويجوز أن يجتمع الخبنُ والقطع في البيت الواحد بأن تأتي بعض تفعيلات البيت مخبونة وبعضها الآخر مقطوعا کقول الشاعر ( ميزان الذهب ص٩٦): زمَّتْ إبلٌ للبين ضحیً في غورِ تهامة قد سلکوا ويجوز في العروض والضرب " الخبن والقطع " دون أن يلزما، فقد نجد عروضا مخبونة وأخری مقطوعة في القصيدة الواحدة، وکذلك بالنسبة إلی الضرب، ومثال الضرب المخبون قول أبي الحسن القيرواني: يا ليل الصبُّ متی غدُه أقيام الساعة موعدُهُ ومثال العروض المقطوعة، والضرب المقطوع قول رضا الهندي : أمُفَلَّجُ ثغركَ أم جوهرْ ورحيقُ رضابكَ أم سکَّرْ ومثال العروض المخبونة والضرب المقطوع کما جاء في المعجم المفصل : قد قال لثغِرِكَ صانعُهُ إنا أعطيناكَ الکوثرْ الحرب بين القدماء وبعضِ المحدثين حول هذا البحر: يعتبر المحدثون أن المتدارك کبحر بتفعيلاته الثمان الصحيحة لم يعد له استخدام، إلا ما ورد من أمثلة نادرة في کتب العروضيين القدماء، أما ما يکتبهُ أغلبُ الشعراءِ اليومِ فهو علی إيقاعِ الخبب، وهم بهذا يفرقون بين المتدارك کبحر، والخبب کإيقاع فقط، وهم بالتالي يرونَ أنَّ القدماءَ، وقعوا في الخطأ عندما ظنوا أن إيقاع الخبب هنا هو نفسه وزن البحر المتدارك، وذلك لأن الخبب لا أوتاد فيه والبحر تُوجدُ به أوتاد، وأنه إن بدأ البيت ( ٣٢٣ ) فإنه لا وجود لسبب ثقيل فيه وإن بدأ البيت ب (٢٣٢ ) فإنه يوُجدُ به سبب ثقيل يقع بعد سببٍ خفيف مسبوقٍ بوتد ( منتدی العروض الرقمي، وکلامهم هذا يبررُ صحة استخدام " فاعلُ " في حشو هذا البيت، ومن المفيد ذکرهم أنه لا يجوز أن تأتي " فعِلن " بعد " فاعلُ " حتی لا تجتمع خمسة متحرکات، وقد عبروا عن ذلك بطريقتِهم الرقمية . دور نزار قباني في تحديث إيقاع الخبب : کما ذکرنا سابقا، فإن استخدام هذا البحر نادر في الشعر القديم، لکنه أصبحَ شاٸعا في العصر الحديثِ، وأکثر ما يصلحُ للغناءِ والموشحات( المعجم المفصل ص ١٢٠ ) ومنهُ قصيدة نزار قباني " قارٸة الفنجان " : جلستْ والخوفُ بعينيها تتأمل فنجاني المقلوب ومما نلحظهُ أن نزار قباني جاء بـ" فاعلُ " في حشو هذا البحر التام، وجاء بـالعروض علی وزن" فعِلن و فعْلنْ " في قصيدة واحدة، وهذ يجوز، ولکن لا يشترکان في ضربِ القصيدة الواحدة لأن ذلك يخل بالموسيقی الخببية، وجاء بالضربِ علی وزنِ " فعْلانْ " و " فَعِلانْ " في قصيدة واحدة لاتفاق الإيقاع الموسيقي بينهما، ومن ذلك قوله : بحيا تك يا ولدي امرأةٌ عيناها سبحان المعبودْ فمُها مرسومٌ کالعُنقودْ ضِحْکَتُها أنغامٌ وَوُرودْ دور أبو ريشة في تحديث إيقاع الخبب : لقد جاء أبو ريشي بالعروض علی وزن " فعِلنْ " والضرب علی وزن " فاعْ " ومن ذلك قوله : وحدكَ تملكُ أن تدفٸَني من وهمِ صقيعٍ وشتاءْ دور الشاعر أحمد بهکلي في تحديث الإيقاع الخببي : لقد جاء بهکلي بالعروض علی وزن " فعِلن " وبالضرب علی وزن " فعْ " وذلكَ في قوله : أتجلَّدُ أقسو مُعتدًّا ما من رجلٍ لا يعتدْ دور البردوني في تحديث إيقاع الخبب : بينما أتصفح ديوان البردوني " ترجمة رملية لأعراس الغبار " وقعت بين يدي قصيدة " خاتمة ثورتين " ولعل أبرز ظاهرة شدت انتباهي في هذه القصيدة، هي ورود " فَعْلانْ " في حشو الخبب، وعروضه، وضربه، وبهذا فإننا نرصدُ ظاهرة أخری استحدثت أخيرا، غير أني لا أعرفُ إن کان البردوني قد سُبِقَ في هذا أم لا، ومن ذلك قصيدته التي يقول فيها: يا سبتمبرْ قل لاکتوبرْ کلٌ منا أمسی في قبرْ بين القبرينْ، نحو الشّبرينْ أتری الحفارَ أطالَ الشبرْ نفسُ الشيطانْ، أخذ العنوانْ وأتی وحشًا في جلد الحَبرْ مجزوء المتدارك عند القدماء : ورد في کتب العروضيين القدماء أن المتدارك له عروض واحد، وهو " فاعلن " ولها ثلاثةُ أضرب: الأول: صحيح " فاعلنْ " ومنه قول الشاعر : قف علی دارهم وابکيَنْ بينَ أطلالِها والدمنْ والثاني : مذيل " فاعلاتنْ " ومثاله : هذه دارهم أقفرتْ أم زبورٌ محتْها الدهورُ الثالثُ : مخبونٌ مرفل " فعِلاتنْ " ومثاله : دار سعدی بشحرِ عمانِ قد کساها البلی الملوانِ والعروض جاءت کالضرب بسبب التصريع (دراسات في العروض والقافية ص ٨٧ ) ماذا أضاف المحدثون لمجزوء المتدراك ؟ سنذکر بعض النماذج من هٶلاء الشعراء : الأول : الملك الأمجد : لقد جاء الملك الأمجد بالعروض والضرب علی وزن " فعْلن " ومن ذلك قوله : من مثلي في عصري بستاني في قصري الثاني : أحمد البهکلي : لقد جاء البهکلي بالعروض "فعِلنْ " وبالضرب " فاعْ " ومن ذلكَ قوله: ذبلتْ عينايَ نویً کذبولِ الأوراقْ مشطور الخبب: لم يتحدث عنه القدماء، وقد ورد له عروضان، وثلاثة أضرب کالتالي: ١ - العروض مخبون " فعِلن " والضرب " مخبون " کقول البوصيري: الصبحُ بدا من طلعتِهِ والليلُ دجا من وفرتِهِ ٢- العروض مقطوع " فعلن " والضرب مقطوع مثله، کقول يوسف العظم: روضُ الأقصی ما أحلاه أنا برعومٌ فوقَ رباهُ ٣ - العروض مخبون " فعِلن " والضرب مخبون مرفل " فعَلانْ " کما قال أبو شادي : غنوا فرحًاختيار والليلُ قريرْ في صدحتهمْ إلهامُ بشيرْ منهوك الخبب: المنهوك لا يوجد به عروض أو ضرب ، فالتفعيلة الواحدةُ تشکل بيتا کاملا، وتتراوح تفعيلاته بين " فعِلنْ وفعْلنْ " . أمثلة : من أناشيد الأطفال: کلبي کلبي يمشي جنبي ويقول سليمان العيسی: برَدَی برَدَی نغَمٌ وصَدَی
