
مقال 12 دقيقة للقراءة
سليمان عليه السلام.
سليمان عليه السلام _ سلسلة الأنبياء والرسل عليهم السلام _ مدونة العز ابن عبدالسلام السبئي.
سليمان عليه السلام نبيًّا وملكًا
سليمان عليه السلام نبي من أنبياء الله، أرسله الله إلى بني إسرائيل، وتولى الملك بعد وفاة والده داود عليه السلام، وكان حاكمًا عادلًا بين الناس، يقضي بينهم بما أنزل الله، وقد منحه الله ملكًا عظيمًا لم يؤته أحدًا من قبله، وسخّر له أشياء كثيرة، كالإنس والجن والطير والرياح، تعمل بأمره بإذن الله تعالى.
وسخّر الله له الشياطين، فكانوا يعملون له ما يشاء، ويبنون له المحاريب والقصور، ويصنعون الأحواض الكبيرة والقدور الثابتة، وألان له النحاس، وجعل الرياح تجري بأمره، فتحمله إلى الأماكن التي يريدها في زمن قصير.
قال الله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 12-13].
وكان سليمان عليه السلام دائم الذكر والشكر لله على هذه النعم العظيمة، كثير الصلاة والتسبيح والاستغفار، يعلم أن الملك كله من فضل الله، وأن النعم تستوجب الشكر والطاعة، لا الغرور والتكبر.
حكمة سليمان عليه السلام منذ صغره
منح الله سليمان عليه السلام الحكمة والفهم منذ صغره، وظهرت علامات ذكائه في مواقف عديدة، منها ما حدث عندما ذهب مع والده داود عليه السلام إلى مجلس القضاء للفصل بين الناس.
فدخل رجلان، أحدهما صاحب أرض فيها زرع، والآخر صاحب غنم، وطلبا من داود عليه السلام أن يحكم بينهما بالعدل.
فقال صاحب الأرض إن غنم الرجل الآخر دخلت أرضه ليلًا، وأفسدت ما فيها من زرع، وألحقت به خسائر كبيرة، فطلب أن ينصفه داود عليه السلام ويعوضه عما فقده.
فاستمع داود عليه السلام إلى القضية، ونظر فيها، ثم حكم بأن يأخذ صاحب الأرض الغنم مقابل ما أصاب زرعه من ضرر.
لكن سليمان عليه السلام، على الرغم من صغر سنه، رأى وجهًا آخر للقضية، فاستأذن والده أن يعرض حكمًا مختلفًا، فأذن له.
فحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها ويعيدها إلى حالتها الأولى، ويأخذ صاحب الأرض الغنم لينتفع بألبانها وأصوافها، فإذا انتهى صاحب الغنم من إصلاح الأرض، أعادها إلى صاحبها، واسترد غنمه.
وكان هذا الحكم يحقق العدل بين الرجلين، إذ يعوض صاحب الأرض عن الضرر الذي أصابه، ولا يُفقد صاحب الغنم ماله نهائيًّا.
فأعجب داود عليه السلام بفهم ابنه وحكمته، وأقر حكمه، وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في القرآن الكريم، فقال: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: 78-79].
وهكذا أظهر الله فضل سليمان عليه السلام، وبيّن ما آتاه من الفهم والحكمة، مع تأكيده أن داود وسليمان كليهما قد آتاه الله حكمًا وعلمًا.
سليمان عليه السلام يفهم لغة النمل
وذات يوم، كان سليمان عليه السلام يسير بجيشه العظيم الذي يتكون من الجن والإنس والطير، وكان يتفقد جنوده وينظم صفوفهم، كما كانوا يسيرون في نظام وترتيب.
وبينما هو يسير مع جيشه، سمع صوت نملة تحذر بقية النمل من اقتراب الجيش، وتطلب منهم الدخول إلى مساكنهم حتى لا يحطمهم سليمان وجنوده من غير أن يشعروا بهم.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].
فسمع سليمان عليه السلام كلام النملة وفهمه، فتبسَّم من قولها، وأدرك ما تحمله من الحرص على قومها وتحذيرهم من الخطر.
ولم يتكبر سليمان عليه السلام بما أعطاه الله من الملك والقدرة، بل تذكر فضل الله عليه، ورفع يديه بالدعاء، شاكرًا ربه على نعمه، طالبًا منه أن يعينه على شكرها والعمل بما يرضيه.
قال الله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19].
وهكذا كان سليمان عليه السلام، كلما رأى نعمة من نعم الله، ازداد شكرًا وتواضعًا، وعلم أن الفضل كله لله وحده.
غياب الهدهد واكتشاف مملكة سبأ
مرت الأيام، وبينما كان سليمان عليه السلام يتفقد جيشه ويتابع أحوال جنوده، نظر إلى الطير فلم يجد الهدهد بينهم.
فاستغرب غيابه، وغضب لأنه ترك مكانه دون إذن، وأعلن أنه سيعاقبه إن لم يأتِ بعذر واضح يبرر غيابه. قال الله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: 21].
وبعد مدة عاد الهدهد، وأخبر سليمان عليه السلام أنه جاءه بخبر مهم لم يكن يعلمه، فقال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22].
ثم أخبره بأنه وجد امرأة تحكم قوم سبأ، وقد أوتيت من أسباب الملك ما تحتاج إليه، ولها عرش عظيم، لكنه وجدها وقومها يسجدون للشمس من دون الله. قال الله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 23-24].
لقد كان الهدهد مستنكرًا لعبادة الشمس من دون الله، وجاء بهذا الخبر إلى سليمان عليه السلام، الذي لم يكن هدفه مجرد توسيع ملكه أو إخضاع الممالك الأخرى، بل دعوة الناس إلى عبادة الله وحده وترك الشرك.
رسالة سليمان عليه السلام إلى ملكة سبأ
أراد سليمان عليه السلام أن يتأكد من صدق خبر الهدهد، فلم يتسرع في تصديقه أو تكذيبه، بل قرر أن يختبر صدقه، ثم أرسل رسالة إلى ملكة سبأ يدعوها فيها إلى الإيمان بالله والخضوع لأمره. وكتب إليها كتابًا موجزًا، جاء فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 30-31]. ثم أعطى الرسالة للهدهد، وأمره أن يلقيها إلى الملكة، ثم يراقب ما سيحدث بعد وصولها. فطار الهدهد إلى مملكة سبأ، وألقى الرسالة إلى الملكة، ثم ابتعد يراقب رد فعلها ورد فعل قومها.
ملكة سبأ تستشير قومها
أخذت ملكة سبأ الرسالة وقرأتها، ثم جمعت كبار رجال دولتها من الأمراء والوزراء، وأخبرتهم بما جاء في الكتاب، وطلبت منهم أن يقدموا رأيهم فيما ينبغي أن يفعلوه.
قالت لهم إن كتابًا كريمًا قد أُلقي إليها، وإنه من سليمان، وقد بدأه باسم الله الرحمن الرحيم، ودعاها فيه إلى ألا تتكبر، وأن تأتيه مسلمة.
فقالت:﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: 32].
فأجابها قومها بأنهم أصحاب قوة وبأس، وأنهم مستعدون للحرب إن قررت ذلك، ثم تركوا لها اختيار ما تراه مناسبًا.
لكن الملكة لم تكن راغبة في الدخول في حرب لا تعرف عواقبها، وكانت تدرك أن الحروب قد تؤدي إلى تدمير البلاد وإذلال أهلها، ولذلك رأت أن تختبر موقف سليمان عليه السلام بإرسال هدية إليه.
فقالت إنها سترسل إليه هدية، ثم تنتظر ما سيعود به رسلها من أخبار، لتعرف حقيقة موقفه.
رفض سليمان عليه السلام هدية ملكة سبأ
أرسلت ملكة سبأ رسلها إلى سليمان عليه السلام، ومعهم هدايا ثمينة وأموال كثيرة، على أمل أن يقبلها ويتركها وقومها وشأنهم.
ولما وصل الرسل إلى سليمان عليه السلام، قدموا إليه الهدايا، لكنه لم يقبلها، ولم يكن المال غايته، فقد آتاه الله ملكًا عظيمًا، وكان هدفه أن يؤمن قوم سبأ بالله وحده.
فقال للرسل: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل: 36].
ثم أنذرهم بأنه سيأتيهم بجنود لا يستطيعون مقاومتهم إن أصروا على الكفر ورفضوا دعوته، وأنهم سيخرجون من ديارهم أذلة إن واجهوه بالحرب.
عاد الرسل إلى ملكة سبأ وأخبروها بما حدث، ونقلوا إليها ما شاهدوه من عظمة ملك سليمان عليه السلام وقوته، وأدركت الملكة أن الأمر ليس مجرد خلاف بين ملكين يتنافسان على المال والسلطان، بل إن سليمان يدعوها إلى أمر عظيم.
فقررت أن تذهب إليه بنفسها، ومعها جماعة من كبار قومها، لتتعرف على حقيقة دعوته وتستمع إليه. إحضار عرش بلقيس قبل وصولها.
علم سليمان عليه السلام أن ملكة سبأ ستأتي إليه، فأراد أن يريها آية من آيات الله، تدل على عظيم قدرة الله وما وهبه من الملك.
فطلب من حاضري مجلسه أن يأتوه بعرش الملكة قبل أن تصل إليه. قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: 38].
فقال عفريت من الجن إنه يستطيع أن يأتيه بالعرش قبل أن يقوم سليمان من مجلسه، وإنه قادر على ذلك وأمين على ما يحمله. ثم قال رجل عنده علم من الكتاب إنه يستطيع أن يأتيه بالعرش قبل أن يرتد إليه طرفه.
قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].
وفي لحظات، أصبح عرش بلقيس أمام سليمان عليه السلام، مع أن مملكتها كانت بعيدة عنه.
ولم ينسب سليمان عليه السلام هذا الإنجاز إلى قوته أو ملكه، بل نسب الفضل إلى الله سبحانه وتعالى، وأدرك أن هذه النعمة اختبار له، ليرى الله كيف يشكرها ويستعملها فيما يرضيه.
وهكذا كان سليمان عليه السلام مثالًا للحاكم الذي لا تغره القوة ولا يعميه السلطان عن شكر الله.
لقاء سليمان عليه السلام بملكة سبأ
أمر سليمان عليه السلام أن يُغيَّر شيء من هيئة العرش، ليختبر معرفة الملكة به، ثم أُعدَّ لها قصر عظيم لاستقبالها.
ولما وصلت بلقيس إلى مجلس سليمان عليه السلام، أشار إلى العرش وسألها إن كان يشبه عرشها. فلما رأته، تعجبت من وجوده أمامها، مع أنها تركته في مملكتها، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل: 42]
ثم دعاها سليمان عليه السلام إلى دخول الصرح، وكان أرضه من زجاج شديد الصفاء، يجري الماء من تحته، فظنت بلقيس أنها أمام ماء، وكشفت عن ساقيها لتخوضه.
فأخبرها سليمان عليه السلام أن أرض الصرح مصنوعة من زجاج أملس شفاف، وليس ماءً كما ظنت.
قال الله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾ [النمل: 44].
عند ذلك أدركت بلقيس أن ما رأته من الآيات ليس أمرًا عاديًّا، وأن سليمان عليه السلام مؤيد من الله، فاعترفت بخطئها في عبادة الشمس من دون الله، وأعلنت إسلامها. وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].
وهكذا انتهت القصة بإيمان ملكة سبأ بالله رب العالمين، وكان ذلك ثمرة دعوة سليمان عليه السلام وحكمته، وما أظهره الله على يديه من الآيات.
ابتلاء سليمان عليه السلام وعودته إلى الله
ابتلى الله سليمان عليه السلام كما يبتلي سائر عباده، فالأنبياء مع عظيم منزلتهم يمرون بالابتلاءات التي يظهر فيها صبرهم وصدق توكلهم على الله. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر ابتلاء لسليمان عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص: 34]. ثم دعا سليمان عليه السلام ربه أن يغفر له ويهبه ملكًا عظيمًا، فقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: 35]. فاستجاب الله له، وسخّر له الرياح والشياطين، ومنحه من أسباب الملك ما لم يجتمع لغيره على ذلك النحو.
وتبين هذه الآيات أن سليمان عليه السلام كان كثير الإنابة إلى الله، وأنه كان يعلم أن المغفرة والملك والفضل جميعها بيد الله وحده.
وفاة سليمان عليه السلام وكشف حقيقة الجن
أراد سليمان عليه السلام أن يبني بناءً عظيمًا يُعبد الله فيه، فكلّف الجن بالعمل فيه، وكانوا يعملون بأمره بإذن الله. وكان سليمان عليه السلام يتفقد أعمالهم، ويحرص على استمرارهم في إنجاز ما كُلّفوا به. وبينما كان متكئًا على عصاه يراقب الجن وهم يعملون، توفاه الله، وظل جسده قائمًا على عصاه مدة لا يعلمها إلا الله، بينما واصل الجن عملهم ظنًّا منهم أنه لا يزال حيًّا يراقبهم. ثم أرسل الله دابة الأرض، وهي الأرضة، فأكلت عصاه، فسقط سليمان عليه السلام على الأرض، وعندها أدرك الجن أنه قد مات، فعلموا أنهم لا يعلمون الغيب، وأنهم لو كانوا يعلمونه لما استمروا في العمل الشاق وهم لا يعرفون بوفاته.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14].
وهكذا كشف الله حقيقة الجن، وأبطل كل اعتقاد يزعم أنهم يعلمون الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، وما يملكه الجن من قدرات إنما هو مما أقدره الله عليه، وليس دليلًا على علمهم بما غاب عنهم.
براءة سليمان عليه السلام من السحر
ادعى بعض الناس أن سليمان عليه السلام كان ساحرًا، وأنه سخّر الجن وسائر المخلوقات بالسحر، فرد الله سبحانه وتعالى هذا الادعاء، وبرَّأ نبيه سليمان عليه السلام من الكفر والسحر.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].
فبيَّن الله أن سليمان عليه السلام لم يكن ساحرًا، ولم يكفر بالله، وإنما كانت الشياطين هي التي تعلم الناس السحر، وتضلهم عن سبيل الحق.
وكان ملك سليمان عليه السلام معجزة من الله، وآية من آيات قدرته، وليس نتيجة سحر أو كفر كما زعم المفترون.
ثناء الله تعالى على سليمان عليه السلام
أثنى الله سبحانه وتعالى على سليمان عليه السلام، ووصفه بالعبودية الصالحة وكثرة الإنابة إليه. قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30].
وهذا الثناء العظيم يدل على أن سليمان عليه السلام، مع ما آتاه الله من ملك واسع وقوة عظيمة وتسخير للجن والريح والطير، ظل عبدًا لله، كثير الرجوع إليه، شاكرًا لنعمه، حريصًا على طاعته.
العبر المستفادة من قصة سليمان عليه السلام
- تعلمنا قصة سليمان عليه السلام أن الملك الحقيقي نعمة من الله، وأن على صاحب السلطة أن يشكر الله ويستعمل ما وهبه فيما يرضيه.
- وتعلمنا أن الحكمة والفهم قد يمنحهما الله للإنسان منذ صغره، كما ظهر في حكم سليمان عليه السلام في قضية الزرع والغنم.
- كما تبين لنا القصة أهمية العدل، والتثبت من الأخبار قبل إصدار الأحكام، كما فعل سليمان عليه السلام عندما جاءه الهدهد بخبر مملكة سبأ.
- وتعلمنا أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى الحكمة وحسن التدبير، وأن الغاية من القوة ليست التفاخر أو الظلم، بل إقامة الحق ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده.
- وتذكرنا قصة النملة بأن على الإنسان ألا يغتر بقوته، وأن يتواضع لخلق الله، وأن يشكر ربه على ما أنعم به عليه.
- وتعلمنا قصة ملكة سبأ أن الإنسان العاقل لا يتعصب لرأيه، بل ينظر في الأدلة، ويستشير أهل الرأي، ويعود إلى الحق متى ظهر له.
- كما تثبت قصة وفاة سليمان عليه السلام أن الجن لا يعلمون الغيب، وأن العلم المطلق بالغيب من خصائص الله سبحانه وتعالى.
- وأخيرًا، فإن قصة سليمان عليه السلام تعلمنا أن عظمة الملك لا تنفصل عن عظمة العبودية، وأن أفضل ما يبلغه الإنسان أن يكون قويًّا بالحق، حكيمًا في حكمه، شاكرًا لربه، كثير الإنابة إليه.
