
مقال دقيقة للقراءة
الماغوط… حين نكذّب موته لأننا صدّقنا كتابته
الماغوط… حين نكذّب موته لأننا صدّقنا كتابته
لم يمت محمد الماغوط كما أُشيع، لم يُعثر عليه ميتًا في شقته، ولم يكن مشهد نهايته مطابقًا لتلك الصورة القاتمة التي رسخها البعض في الذاكرة.
ومع ذلك… صدّقنا الحكاية.
لماذا؟ لأن الماغوط كتب كأن الموت يسكن غرفته منذ البداية.
كان نصّه أكثر إقناعًا من الحقيقة، وأشد حضورًا من الوثيقة، فصارت حياته تُقرأ من خلال كتابته، وصار موته يُفهم بوصفه امتدادًا شعريًا لا واقعة تاريخية.
الماغوط لم يكن وحيدًا بمعناها الجسدي، كان محاطًا، معروفًا، حاضرًا… لكنه كان معزولًا من الداخل، وحدةٌ لا تُرى، لكنها تُكتب.
وهنا يختلط الأمر على القارئ العربي: نحوّل الاستعارة إلى خبر، والشعور إلى حدث، فنقول: “مات وحيدًا” لأننا قرأنا: “كنتُ وحيدًا”.
ثمّة شغف قديم لدينا بنهايات تليق بالألم، نحب أن نموت مبدعينا بالطريقة التي كتبوا بها، كأننا نبحث عن عدالة شعرية، لا عن حقيقة.
فنحن لا نحتمل أن يكون من كتب هذا القدر من القسوة قد مات موتًا عاديًا.
الماغوط أزعجنا لأنه لم يمنحنا عزاءً، لم يفتح نافذة أمل، كتب ضد الطمأنينة، فضيّق علينا المساحة… فأردنا أن نضيّق عليه النهاية.
وهكذا وُلدت الأسطورة: ليس لأن الواقع ناقص، بل لأن الخيال كان أقوى.
الحقيقة أن الماغوط لم يمت كما كتب، لكنه كتب وحدةً جعلتنا نُعيد اختراع موته.
والمفارقة المؤلمة أن الكذبة لم تُصنع استخفافًا به، بل وفاءً لنصّه.
لقد صدّقناه إلى الحد الذي كذّبنا فيه الحقيقة.
⸻
✍️ بندر عناد نافذتي نقديات أدبية
