
مقال دقيقتان للقراءة
هل القدس عضوٌ خارج الجسد؟
ليس الألم دائمًا جرحًا نراه على الجسد، فهناك جروح تسكن أعماق الروح، وتظل تنزف مهما حاولنا إخفاءها أو التظاهر بتجاوزها. وهناك أوجاع لا تخص فردًا بعينه، بل تمتد لتصيب أمةً بأكملها، فتجعل ضميرها مثقلًا بالحزن، وكرامتها موضع تساؤل.
حين نتحدث عن فلسطين، وعن القدس وغزة، فإننا لا نتحدث عن أرض بعيدة عنا، ولا عن قضية عابرة في صفحات الأخبار، بل نتحدث عن جزء أصيل من وجداننا وهويتنا وتاريخنا. فكيف يمكن لجسد أن يدّعي العافية، وأحد أعضائه ينزف؟ وكيف يمكن لأمة أن تنعم بالراحة، بينما القدس تتألم وغزة تُهدم فوق رؤوس أهلها؟
لقد علّمنا المثل أن الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى. لكن ما يحدث اليوم يضعنا أمام سؤال مؤلم: هل القدس عضو خارج هذا الجسد؟ أم أن إحساسنا بالألم قد خفت إلى الحد الذي لم نعد نشعر فيه بجراحها؟
إن ما يجري في فلسطين يكشف حجم التناقض بين الشعارات التي نرفعها والواقع الذي نعيشه. نتحدث كثيرًا عن العروبة والكرامة والوحدة، ونستحضر أمجاد الماضي، لكننا نقف أمام الحاضر مثقلين بالعجز والانقسام. فأين العروبة التي طالما تغنينا بها؟ وأين الكرامة التي كانت عنوانًا لعزتنا؟ وأين ذلك الموقف الذي يجعل من جرح القدس جرحًا في قلب كل عربي؟
إن القضية ليست مجرد كلمات تُقال في الخطب، ولا دموع تُذرف أمام الشاشات، ولا عبارات تضامن تُكتب ثم تُنسى. القضية موقف وضمير ومسؤولية، وهي اختبار حقيقي لما بقي فينا من إنسانية وانتماء.
إن فلسطين لا تحتاج إلى من يكتفي بإظهار الحزن عليها، بل تحتاج إلى ضمير حي لا يتعامل مع مأساتها بوصفها مشهدًا عابرًا. وغزة لا تحتاج إلى مواساة بالكلمات وحدها، بل إلى موقف صادق يترجم معنى الأخوة والإنسانية، ويحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة والأمان.
ولعل أشد ما يؤلم في هذه المأساة أن الفلسطيني لم يعد يطالب بالكثير؛ إنه يريد أن يعيش آمنًا في أرضه، وأن يحفظ أطفاله من الخوف، وأن يرى بيته قائمًا، وأن ينعم بحقوقه التي لا ينبغي أن تكون موضع مساومة.
فإذا كانت فلسطين جزءًا من جسد أمتنا، فلماذا نترك جرحها يتسع؟ وإذا كانت القدس تسكن أفئدتنا حقًا، فلماذا يبدو وجعها وكأنه لا يصل إلى قلوبنا؟
إن القدس ليست عضوًا خارج الجسد، وفلسطين ليست قضية خارج الضمير. ومن لم يحركه وجع الأطفال، ولم توقظه صرخات الأمهات، ولم تهزّه مشاهد الدمار، فليُراجع ما بقي في قلبه من إحساس.
فلا تجعلوا الحزن مجرد كلمات، ولا تجعلوا التضامن موسمًا ينتهي بانتهاء الأخبار؛ فهناك شعب يتألم، وأرض تنزف، ومدينة تنتظر أن يستيقظ الضمير.
بشار أمير الكندي
