
مقال دقيقتان للقراءة
متساوون في الحياة
«لو أننا نظرنا بدقة، بهدوء، وغصنا بتفاصيل جوهر البهرجات؛ لاكتشفنا أنها معتدلة ومتساوية أو تكاد.»
متساوون
حسام الحاتمي
فيسبوك ، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٢م. _____ نطغى. نستأثر بكل شيء. نرى بنظراتنا العائمة الفوارق مهولة في كل شيء بين الخلق. فنشعر بالغرور أننا أفضل من الآخر.. البائس تظل عيناه عالقةً في حياة الأحسن منه حالاً. وتمضي الحياة بين دالتي: الغرور والتنمي. وما يزيدها ذلك إلا شقاءً وبؤسا.
فلو أننا نظرنا بدقة، بهدوء، وغصنا بتفاصيل جوهر البهرجات؛ لكتشفنا أنها معتدلة ومتساوية أو تكاد.. وهنا تكمن حكمة الله وقدرته، في كبح جماح طمع الأنسان وغروره وسطوه.. ولطفه بالبائسين. ثم يحقق العدل الذي لا يشعر به الكثير من الناس، لغرقهم بالبهرجات الشكلية والنظرات المُتَسطحة.
سأضرب بعض الأمثلة لتتضح الصورة أكثر:
يتمنى صاحب القرية المُتَفتح، أن يحضى بتلك الكاتبة المتأنقة، القارئة النهمة، التي تغريه ثقافتها. ويعتقد -خاطئاً- أنه سينال السُعدِ كله أن ظفر بها. وهو لا يدري أنه قد يكابد منها أعظم بمرات ما يكابده من جهل ابنة قريته. فما أعطاه الله للكاتبة، أعطى القروية أشياء لم يعطيها الكاتبة. فالحياة إذن تبدو متكاملة ومعتدلة لو أمعنا فيها النظر.
أعطى الله المال وأخذ الصحة والعكس. أخذ الأمن ومنح الجاه، وأعطى الأمن واخذ الجاه. يظن المتألم أنه وحده الشاكي، وما من إنسان، أي إنسان في كوكب الأرض إلا وله جرحٌ يؤلمه. الإنسان الذي له حضور اجتماعي، ويجلس في الواجهه. يقطع مشاويره راكباً قدميه.. والآخر الهامشي الذي لا يعرفه الناس ولا أين يجلس، يقطعها بسيارته الخاصة.
قبل ثلاثة أيام، نشطتُ على تويتر، تابعت ناشطةً خليجية، فظهرت لي قائمة:"متابعة الجميع" لتظهر على صفحتي الكثير من الفتيات الخليجيات بأسماء حقيقية ومستعارة. وجدتهن، فائضات حياة مادية: إذ رأيتُ في كل ما ينشرنه، طافحاً بالشح المادي والأمان العاطفي، الخيانة، الحنين، الإيمان، وطعن ذوي القربى، والتفاهة. فالمال ليس كل شيء، ولا يجلب كل أمنيات المرء ورغابته..
بلدان منحها الله الشمس وأخرى اغرقها بالثلج. بلدان فرش أرضها بالرمل، وزرع في بطنها الثروات وأخرى فرشها بغاباتٍ من الأشجار وجعل الثروة بالشجر. وهكذا قيسوا على كل الحياة، بكل تفاصيلها، حتى تفاصيل حياتنا الشخصية الصغيرة.
فتّقنع إن القناعةُ كنز. عش حياتك ودع ما للناس للناسِ. هذا لايعني أن يظل البائس في بؤسه والجاهل بجهله.. تحرر من ذلك بنفسك، لا تقف. تحرك أينما وجدتَ سعةً في ذلك. واعلم أن أي مستوى تصله، هو قدرك، وأنك في حال جيد.. فعشه، اعطيه حقه في الحياة، ولا تضيعه بطول النظر لمن هو أعلى منك أو بقصره لمن هو أدنى. فلكلٍ من: الأعلى وأنت والأدنى، حياته الخاصة به.. أنت تملك الكثير، اكتشفه واستثمره، ولا تضيع عمرك بالحِسبة. وما تتفاوت الحياة بين الخلق إلا لتتساوي.
