
مقال دقيقتان للقراءة
محاكمة القلب ، المشهد الثالث
حين يتحول الصدر إلى قاعة محكمة ..... صراع درامي يفكك الذات البشرية بين الإتهام و الندم وينبش فى كواليس الخيبة التى تخلفها الكلمات العابرة
المشهد الثالث: المكابرة وعين الخيبة
بدأ سحر الكلمة يتلاشى تدريجياً كبخارٍ يمحوه برد الواقع، لكن القلب لم يستفق نادماً، بل استيقظ مكابراً، معذباً بمرارة الانكشاف.
وفي محاولة بائسة لتبرئة طيشه، صب جام غضبه على النفس، يلومها على جفافها وحرصها المفرط، بينما كان يحاول بطرف عينٍ وجلة أن يتلصص نحو الخلف، يترصد أثراً زائفا للكلمة العابرة، مستجدياً من سرابها دفئاً أخيراً يداري به خيبته.
انتفضت النفس أمام هذا التجني، ووقفت تدفع اتهاماته بصرامة أملتها مرارة الخوف. لم تكن هذه المرة مستسلمة للاتهام المعتاد؛ بل تراجعت خطوة إلى الخلف، واستدارت نحو عمق الصدر، لتتحدث بنبرة فلسفية حزينة يخالطها مرارة الاستنكار، وتخاطب قدرها الأزلي:
"لطالما كانت الكُتب والشرائع تراني أصل كل بلية؛ أدبيات الورعين وصحائف الحكماء لم تزل تصفني بـ 'الأمّارة بالسوء'، وتجعل مني مسرحاً لكل غواية، والشماعة التي يُعلق عليها البشر وسواس السقوط وأوزار النزوات. في كل نصٍ وقصة، أنا المتهمة الأولى، وأنا الجانية التي تسحب هذا الجسد نحو الهاوية. لكنني في هذا الموضع تحديداً أقف بريئة براءة الذئب من دم ابن يعقوب؛ فقد صرختُ في وجه طيشك، ووقفتُ كالطود أحاذرك، وألقيتُ بكل ما أوتيتُ من قوة حواجزي في طريقك."
ثم التفتت إليه بعينين يملؤهما الخوف المتجمد، وتابعت بصوتٍ أضناه الرعب:
"لم أكن أحرص عليك شفقةً بك، ولا خوفاً على مضغتك التي لا تتوب، بل كنتُ أحرص على نفسي! ألا تدرك أنني مقيدة بتلك الوثيقة الملعونة؟ ألا تفهم أن أي انزلاقٍ جديد منك لن يدفعه سواك، بل سأُسحب أنا معك لأُلقى في غياهب سجن العقل والروح، مقيدة بأغلال العزلة الأبدية؟
ورغم أنني في أقاصي عتمتي كنتُ أشتهي هذا الدفء وأتوق إليه أكثر منك، إلا أن قيد الوثيقة وحجم الرعب المتربص بنا منعني من الاستسلام."
تراجعت النفس كلياً، تاركةً القلب ينزف في مكابرته، ونظرت إليه بعينين يملؤهما الفقد والخيبة،
ثم زمزمت شفتيها بهمسٍ شجيّ:
"ما أجمل الكلمة حين تمر... وما أصعبها حين لا نتلذذ بها."
وفي تلك اللحظة بالذات، حين انقطعت أسباب الوهم ووقفت النفس بعيدة عن القلب، اقتحم الواقع عتمة الصدر كصخرة هودية لا ترأف بضعف ولا تعترف بأحلام. تقدم بخطى جافة صلبة، ينزع الغشاوة الأخيرة عن عيني القلب قسراً، ليقبض بقبضته الجليدية على الجانين: القلب المكابر والنفس المغلولة، ويقتادهما بسكونٍ مرعب عبر ممر الصدر المظلم، نحو القاعة التي أُضيئت أنوارها الحادة، حيث تجلس الروح على منصة النيابة تنتظر بدء الاستجواب، ويقبض العقل على المطرقة، بينما تتأهب أروقة المحكمة لاستقبال الشهود.
