
مقال 5 دقائق للقراءة
امتلاك السلطة وصياغة التاريخ… فمن يروي حكاية المهزوم؟
حين تصمت المدافع وتنتهي الحروب، تبدأ معركة أخرى لا تقل أثرًا: معركة السيطرة على الذاكرة. فمن يُقدَّم بطلًا؟ وما الذي يُحفظ في السجلات؟ وأي أصوات تُدفع إلى الهامش أو تُترك للنسيان؟ إن انتهاء الحدث لا يعني انتهاء تأثيره، فالمعارك قد تتوقف في الميدان، لكنها تستمر في الكتب والمدارس والمتاحف والخطابات السياسية، حيث يُعاد ترتيب الماضي وفق حاجات الحاضر ومصالحه.
من هنا تبدو المقولة الشهيرة: «التاريخ يكتبه المنتصرون» أكثر من مجرد عبارة متداولة؛ فهي تفتح بابًا لفهم العلاقة بين السلطة والمعرفة. فالمنتصر لا يملك القوة العسكرية فحسب، بل قد يملك أيضًا المؤسسات والأرشيف ووسائل التعليم والنشر، وهي أدوات تتيح له أن يحدد كيف تُروى الأحداث، ومن يُمنح حق الكلام، وما الذي يُقدَّم بوصفه حقيقة راسخة. وقد يختار المنتصر أسماء المعارك، ويحدد وصف الشخصيات، ويمنح أفعاله عناوين مثل «التحرير» أو «التوحيد»، بينما يصف أفعال خصومه بأنها «تمرد» أو «فوضى» أو «خيانة».
ولا تقتصر صناعة الرواية على حذف الوقائع أو اختلاقها، بل قد تتم عبر الانتقاء والترتيب والتركيز. فقد تكون الحادثة معروفة، لكن تفسيرها يتغير بحسب السياق الذي توضع فيه، وبحسب الأصوات التي تُستدعى لشرحها. وقد يُذكر انتصار جيش كامل، بينما تُهمل معاناة المدنيين، أو تُعرض قرارات القادة دون التوقف عند آثارها الاجتماعية والإنسانية. وهكذا يصبح الصمت نفسه جزءًا من الكتابة، لأن ما لا يُقال قد يكون مؤثرًا بقدر ما يُقال.
لكن هذه المقولة، رغم وجاهتها، لا تختصر التاريخ كله. فالمنتصر قد يفرض روايته، غير أن روايات أخرى تظل حاضرة في الشهادات والوثائق والذاكرة الشعبية، تنتظر من يعيد قراءتها ويمنحها مكانها في الصورة الأوسع. وقد تختبئ هذه الروايات في رسائل شخصية، أو أغانٍ شعبية، أو حكايات تتناقلها العائلات، أو آثار مادية تركها أناس لم يمتلكوا منبرًا رسميًا. لذلك لا ينبغي حصر التاريخ في الكتب التي أصدرتها السلطة، بل يجب البحث أيضًا في الهوامش، وفي التفاصيل الصغيرة التي تكشف ما حاولت الرواية الكبرى إخفاءه.
ولعل الغزو الإسباني للمكسيك مثال لافت؛ إذ لم تقتصر أخبار تلك المرحلة على روايات الإسبان، فقد حفظت «المخطوطة الفلورنسية» شهادات من السكان الأصليين، نقلت جانبًا آخر من الحكاية، ووازنت بين رواية من امتلك القوة وشهادة من دفع ثمن الهزيمة. وتكشف مثل هذه المصادر أن الحدث الواحد قد يحمل تجارب متعددة؛ فبالنسبة إلى طرف قد يكون بداية مجد أو توسع، بينما يكون بالنسبة إلى طرف آخر بداية فقدان الأرض واللغة والاستقلال وتفكك العالم الذي عرفه.
لكن هل يعني ذلك أن المنتصر يكذب دائمًا، وأن المهزوم يقول الحقيقة بالضرورة؟
بالطبع لا.
وهنا تكمن أهمية قراءة التاريخ بعقل ناقد، لا بعاطفة منحازة. فامتلاك السلطة قد يمنح رواية ما انتشارًا وهيمنة، لكنه لا يجعلها صحيحة تلقائيًا؛ كما أن موقع المهزوم لا يمنح شهادته العصمة. فالحقيقة لا تُعرف بمكانة صاحب الرواية، بل بما يسندها من وثائق وشواهد، وبمقارنتها بغيرها، وبالانتباه إلى من امتلك القدرة على الكلام ومن حُرم منها. كما ينبغي التمييز بين الذاكرة بوصفها تجربة إنسانية عميقة، وبين تحويلها إلى حكم نهائي لا يقبل المراجعة. فالذاكرة قد تحفظ الألم، لكنها قد تنسى بعض التفاصيل أو تعيد ترتيبها تحت تأثير الزمن والصدمة والانتماء.
وتزداد صعوبة المهمة حين تكون المصادر نفسها ناقصة أو متعارضة. فقد تتلف الوثائق، أو تُحجب الأرشيفات، أو تُكتب الشهادات بعد سنوات طويلة من وقوع الأحداث. وقد يستخدم المؤرخ لغة حذرة، فيقول «ربما» و«تشير الأدلة» و«لا يمكن الجزم»، لأن الأمانة العلمية لا تعني امتلاك إجابة كاملة، بل الاعتراف بحدود المعرفة. ومن هنا تصبح قراءة التاريخ عملية مستمرة، تتغير كلما ظهرت وثيقة جديدة أو أُعيد تفسير مصدر قديم أو أُتيح لصوت مهمش أن يتحدث.
وأنا أرى أن أجمل ما في قراءة التاريخ ليس حفظ ما حدث فحسب، بل الجرأة على سؤال ما اعتدنا تصديقه، وفحص الكيفية التي أسهمت بها السلطة في ترتيب الوقائع ومنح بعضها مركز الصدارة ودفع بعضها الآخر إلى الهامش. فالتاريخ ليس قائمة جامدة من التواريخ والأسماء، بل مجال تتقاطع فيه المصالح والذكريات واللغة والهوية. وكل جيل يعيد النظر في ماضيه من زاوية جديدة، لا لأنه يملك الحقيقة كاملة، بل لأنه يطرح أسئلة مختلفة عن أسئلة من سبقه.
وقد يكون الإنصاف التاريخي مستحيلًا بصورة كاملة، لأن كل رواية تُكتب من موقع معين، لكن السعي إليه يظل ضروريًا. فالهدف ليس الوصول إلى رواية محايدة تمامًا، بل كشف شروط إنتاج الروايات، ومعرفة من كتبها ولمن كُتبت، وما الذي أغفلته، وما المصالح التي قد تكون أثرت في صياغتها. وكلما تعددت المصادر، واتسعت دائرة الشهادات، أصبح فهمنا للماضي أقل تبسيطًا وأكثر قدرة على استيعاب التناقضات.
فقد لا يكون التاريخ كله كُتب بأقلام المنتصرين، لكن المؤكد أن امتلاك السلطة يؤثر في تشكيل صورته، وأن هناك أصواتًا كثيرة لم تجد من يصغي إليها. لذلك لا تكتمل رواية الماضي إلا حين نضع سرد المنتصر إلى جانب شهادة المهزوم، لا لمجرد استبدال رواية بأخرى، بل لبناء فهم أكثر توازنًا وتعقيدًا لما حدث. إن الإصغاء إلى المهزوم لا يعني تمجيده، كما أن نقد رواية المنتصر لا يعني إنكار كل ما فيها؛ بل يعني الاعتراف بأن الحقيقة التاريخية غالبًا ما تتوزع بين مصادر متعددة، وأن الاقتراب منها يحتاج إلى صبر ومقارنة وشجاعة فكرية.
ولعل السؤال الأهم ليس: من كتب التاريخ؟ بل: من امتلك سلطة كتابته، ومن غاب عن صفحاته؟
المصادر والمراجع:
- جورج أورويل، «As I Please»، صحيفة Tribune، 4 فبراير 1944.
- ميشيل رولف ترويو، Silencing the Past: Power and the Production of History، 1995.
- مكتبة الكونغرس الأمريكية، المخطوطة الفلورنسية، الكتاب الثاني عشر: غزو المكسيك.
#التاريخ_كما_لم_يرو #قراءة_في_التاريخ #تاريخ
