
مقال 4 دقائق للقراءة
من دفتر العناوين إلى زر الإعجاب… كيف غيّرت شبكات التواصل حياتنا؟
متى صرنا نعرف أخبار أصدقائنا من شاشة، بدل أن نسمعها منهم؟ ومتى أصبحنا نلتقط الصورة، ثم نفكر في نشرها، قبل أن نعيش لحظتها؟
أحيانًا أتساءل: متى صرنا نعرف أخبار أصدقائنا من شاشة، بدل أن نسمعها منهم؟ ومتى أصبحنا نلتقط الصورة، ثم نفكر في نشرها، قبل أن نعيش لحظتها؟
ليس تاريخ شبكات التواصل قديمًا كما نظن. ففي عام 1978 ظهرت أنظمة «لوحات الإعلانات الإلكترونية» التي أتاحت لأصحاب الحواسيب تبادل الرسائل عبر خطوط الهاتف. كان الأمر بطيئًا ومحدودًا، لكنه حمل فكرة كبيرة: أن يجتمع أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا في مساحة افتراضية.
وفي 1997 ظهر موقع SixDegrees، الذي أتاح إنشاء ملف شخصي وقائمة أصدقاء، فاقترب من شكل الشبكات الذي نعرفه اليوم. ثم جاء Friendster عام 2002، وتبعه MySpace عام 2003، حيث أصبحت الملفات الشخصية والموسيقى والتعارف جزءًا من حياة جيل جديد. يومها كان امتلاك صفحة شخصية أمرًا مثيرًا؛ تختار صورتك وأغنيتك المفضلة، وتكتشف أشخاصًا يشاركونك الاهتمامات، بينما لم يكن أحد يتخيل أن هذه الصفحات ستصبح جزءًا من تفاصيل يومه.
لكن التحول الأكبر بدأ مع فيسبوك عام 2004، ثم يوتيوب عام 2005، وتويتر عام 2006، وإنستغرام عام 2010. ومع انتشار الهواتف الذكية، لم نعد «ندخل الإنترنت» في وقت محدد؛ صرنا نحمله معنا أينما ذهبنا. ثم جاء تيك توك، الذي انطلق عام 2016، ليعزز عصر المقاطع القصيرة التي تتنافس على انتباهنا ثانية بعد ثانية. لم تعد الشبكات مجرد مكان نلتقي فيه بالأصدقاء؛ تحولت إلى فضاء تُصنع فيه الأخبار والنجومية والاتجاهات، وأحيانًا خلال ساعات قليلة. صار بإمكان شخص عادي أن يُسمع صوته للعالم من غرفة صغيرة.
لننصف هذه الثورة: لقد اختصرت المسافات، وفتحت أبوابًا للعمل والتعلم، ومنحت أصحاب المواهب الصغيرة جمهورًا لم يكونوا يحلمون به. وأتاحت لمن يعيش بعيدًا عن أهله أن يطمئن عليهم بصورة ورسالة، ولأصحاب القضايا الإنسانية أن يوصلوا أصواتهم خارج الحدود. وفي فلسطين، نعرف جيدًا قيمة أن تحمل صورة أو شهادة إنسانية من مكان بعيد إلى ملايين الشاشات. ولولا هذه المنصات، لظلت قصص كثيرة محصورة في نطاق ضيق، لا يعرفها إلا أصحابها.
لكن لكل هذا وجهًا آخر. صار الخبر أسرع من التحقق، والمقارنة بحياة الآخرين أسهل من الرضا بحياتنا، وأصبح انتباهنا موضع تنافس دائم بين إشعار وآخر. وفي دراسة نشرها مركز «بيو» عام 2025، قال 45% من المراهقين الأمريكيين المشاركين إنهم يقضون وقتًا أطول مما ينبغي على هذه المنصات؛ بينما قال معظمهم إنها تقرّبهم من أصدقائهم. هكذا هي الصورة: ليست سوداء بالكامل، ولا وردية أيضًا. فالمشكلة ليست في سرعة الوصول وحدها، بل في الخوارزميات التي تختار ما نراه، وفي سهولة انتشار الشائعة، وفي تحويل بعض لحظاتنا الخاصة إلى مادة للمشاهدة والتقييم. كم مرة فتحنا الهاتف لدقيقة، ثم فوجئنا بأن نصف ساعة قد مرت؟
وكيف كانت الحياة قبل ذلك؟
أتذكر زمنًا كانت فيه زيارة الصديق لا تحتاج إلى منشور يعلن عنها. كنا نحفظ أرقامًا من كثرة الاتصال بها، وننتظر الصور حتى تُحمَّض، ونفتح ألبوم العائلة فنضحك على لقطة لم يفكر صاحبها إن كانت ستنال إعجاب أحد. كنا نذهب إلى بيت أحدهم دون أن نراقب ظهوره «متصلًا الآن»، وإذا غاب صديق سألنا عنه أو طرقنا بابه. لم تكن العلاقات كلها أجمل، لكنها كانت أقل انشغالًا بإثبات حضورها أمام الآخرين.
كان للأخبار طريق أطول: حديث في البيت، أو صحيفة، أو نشرة مسائية. وكانت الجلسة تنتهي، في الغالب، دون أن يقاطعها هاتف كل دقيقة. وربما لهذا تبدو بعض الذكريات أهدأ؛ لأننا كنا نعيش تفاصيلها أكثر مما نوثقها. كانت لدينا صور أقل، نعم، لكن لكل صورة قصة تُروى، وللرسائل الورقية مكان في الدرج، وللانتظار طعم قد لا يفهمه من اعتاد وصول الرد خلال ثوان.
لكنني لا أريد تجميل الماضي كله؛ فقد كانت المسافة تُتعب المحبين، والمعلومة تحتاج وقتًا، وأبواب كثيرة موصدة أمام من لا يجد من يسمعه. اليوم صار الوصول أسهل، لكن الحفاظ على حضورنا الحقيقي أصعب. لذلك لا أرى الماضي جنة ضاعت، ولا الحاضر كارثة يجب الهرب منها؛ أرى عالمين، في كل واحد منهما ما يستحق أن نحتفظ به، وما يستحق أن نتجاوزه.
ربما ليست المشكلة في الشبكات نفسها، بل في اللحظة التي تتحول فيها من وسيلة نستخدمها إلى عادة تستهلك وقتنا. لا أريد العودة إلى زمن بلا إنترنت؛ أريد فقط ألا أنسى كيف أجلس مع من أحب دون أن أبحث عن هاتفي.
فهل قربتنا شبكات التواصل من بعضنا، أم جعلتنا نكتفي بمعرفة أخبار بعضنا؟
المصادر والمراجع:
- Kevin Driscoll، «A Prehistory of Social Media»، 2022.
- danah boyd وNicole Ellison، «Social Network Sites: Definition, History, and Scholarship»، 2007.
- Esteban Ortiz-Ospina، «The Rise of Social Media»، Our World in Data، 2019.
- Pew Research Center، «Teens, Social Media and Mental Health»، 2025.
#تاريخ_التكنولوجيا #التواصل_الاجتماعي #مجتمع #التاريخ_كما_لم_يرو
