
مقال 7 دقائق للقراءة
هل كتبه إنسان أم آلة؟ كيف نكتشف المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي؟
هل كتبها إنسان أم ذكاء اصطناعي؟ الحقيقة المفاجئة وراء أدوات الكشف التي قد تتهم الأبرياء!
تخيّل أنك كتبت مقالًا من أفكارك وتجاربك، وراجعت عباراته بعناية، ثم وضعه أحدهم في موقع لكشف الذكاء الاصطناعي، فعاد إليك بنتيجة تقول: «احتمال أن يكون النص مولّدًا آليًا: 98%»!
ستكون النتيجة مزعجة بلا شك، لكن السؤال الأهم: هل يستطيع برنامج حاسوبي أن يعرف حقًا من كتب هذه الكلمات؟
مع الانتشار الواسع لأدوات مثل ChatGPT وGemini، أصبح التمييز بين المحتوى البشري والمحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي تحديًا حقيقيًا. ولم يعد الأمر مقتصرًا على المقالات؛ فالصور والأصوات ومقاطع الفيديو باتت تُنتَج بجودة تجعل اكتشاف مصدرها أصعب يومًا بعد يوم.
لكن المفاجأة أن أدوات الكشف نفسها قد تخطئ، وأحيانًا بصورة كبيرة!
أولًا: كيف تحاول البرامج اكتشاف النصوص الآلية؟
عندما نكتب، نختار كلماتنا وفق معرفتنا وتجاربنا وطريقتنا في التعبير. أما نماذج اللغة فتُنشئ النصوص اعتمادًا على أنماط إحصائية تعلّمتها من كميات هائلة من البيانات.
وهنا تبدأ مهمة برامج الكشف.
بعض هذه الأدوات يحلل ما يُعرف بـ«الأسلوب الإحصائي للنص»، فيدرس تنوع المفردات، وتراكيب الجمل، ومدى قابلية الكلمات للتوقع، والتغير في إيقاع الكتابة.
ومن المصطلحات المستخدمة في هذا المجال:
الحيرة الإحصائية (Perplexity): مقياس لمدى صعوبة توقع كلمات النص بالنسبة إلى نموذج لغوي معين.
التفاوت الأسلوبي (Burstiness): يُستخدم في بعض أساليب التحليل لوصف التغير في طول الجمل أو خصائصها الإحصائية.
قد تجد إحدى الأدوات أن النص شديد الانتظام، فتعتبره أقرب إلى الكتابة الآلية.
لكن هنا مشكلة واضحة: الإنسان أيضًا يستطيع الكتابة بلغة منظمة ومتوازنة، والذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نصوص متفاوتة الإيقاع.
إذن، نحن أمام مؤشرات احتمالية، لا بصمات قاطعة.
ثانيًا: تجربة كشفت ضعف أدوات الكشف
في يناير 2023، أطلقت شركة OpenAI أداة لمحاولة التمييز بين النصوص البشرية والمولّدة آليًا.
لكن الاختبارات أظهرت أن الأداة استطاعت تصنيف 26% فقط من النصوص الآلية في مجموعة اختبار باللغة الإنجليزية باعتبارها على الأرجح مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بينما صنّفت 9% من النصوص البشرية خطأً على أنها آلية.
وفي يوليو من العام نفسه، أوقفت الشركة الأداة بسبب ضعف دقتها.
هذه الأرقام تخص تلك الأداة واختباراتها في ذلك الوقت، ولا يجوز تعميمها على جميع أدوات الكشف الحالية، لكنها تكشف حجم المشكلة.
وفي دراسة نشرتها مجلة Patterns عام 2023، اختبر باحثون من جامعة ستانفورد سبعة كواشف للنصوص الآلية، فوجدوا أنها صنّفت نسبة كبيرة من كتابات أشخاص لا يتحدثون الإنجليزية لغةً أم على أنها محتوى آلي.
بلغ متوسط التصنيف الخاطئ 61.3% في مجموعة مقالات اختبارية كتبها هؤلاء الأشخاص.
والمفارقة أن بعض النصوص البشرية قد تُعاقَب إحصائيًا لأنها بسيطة أو مباشرة، لا لأنها مولّدة آليًا!
ثالثًا: وماذا عن الكتابة العربية؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدًا.
فاللغة العربية تتميز بتنوع كبير في الأساليب واللهجات والتراكيب، فضلًا عن أثر التشكيل والاختلاف بين النصوص الأدبية والعلمية واليومية.
وقد بحثت دراسات منشورة عام 2024 في تطوير أدوات متخصصة لكشف النصوص العربية الآلية، وحققت بعض النماذج نتائج مرتفعة على مجموعات اختبار محددة.
لكن دراسة أحدث نُشرت عام 2026 أظهرت أن الأداء قد يختلف بصورة ملحوظة عند الانتقال بين النصوص الأكاديمية ومحتوى وسائل التواصل الاجتماعي.
بمعنى آخر، قد ينجح الكاشف في اختبار نص علمي، ثم يصبح أقل قدرة على التعامل مع منشور أدبي أو تعليق عفوي.
ولهذا ينبغي الحذر من المواقع التي تمنح الكاتب حكمًا قاطعًا اعتمادًا على نسبة مئوية، دون أن توضح كيفية اختبار نموذجها أو حدود دقته.
رابعًا: كيف نتحقق بطريقة أكثر ذكاءً؟
إذا قرأت مقالًا وشككت في مصدره، فلا تبدأ بسؤال: «هل استخدم الكاتب الذكاء الاصطناعي؟».
ابدأ بسؤال آخر: «هل أستطيع التحقق مما يقوله؟»
ابحث عن مصادر المعلومات، ودقة التواريخ، وصحة الاقتباسات والمراجع. فالنص قد يكون بشريًا بالكامل ومع ذلك يحتوي على أخطاء، وقد يكون مولّدًا بمساعدة الذكاء الاصطناعي لكنه خضع لتدقيق علمي جيد.
أما إذا كان المطلوب معرفة كيفية إنتاج النص، فابحث عن أدلة تتعلق بعملية الكتابة نفسها: المسودات السابقة، وتاريخ التعديلات، والمصادر التي استُخدمت، وقدرة الكاتب على شرح أفكاره ومنهجه.
وهذه الأدلة أيضًا ليست معصومة، لكنها أقوى من إصدار اتهام بناءً على أسلوب الكتابة وحده.
ولا تنسَ احتمالًا أصبح شائعًا: قد يكتب الإنسان المقال بنفسه، ثم يستعين بالذكاء الاصطناعي لتصحيح اللغة أو ترتيب الفقرات.
فهل نعدّ هذا النص بشريًا أم آليًا؟
الإجابة تعتمد على مقدار مساهمة كل طرف، ولذلك فإن تقسيم المحتوى إلى نوعين منفصلين تمامًا لم يعد يصف جميع حالات الكتابة المعاصرة.
خامسًا: هل يسهل كشف الصور والفيديوهات؟
قد تبدو المهمة أسهل عندما تظهر يد بستة أصابع، أو انعكاسات غير منطقية، أو حركة شفاه لا تتوافق مع الكلام.
لكن الاعتماد على هذه العلامات وحدها لم يعد كافيًا؛ فأنظمة التوليد الحديثة أصبحت أكثر قدرة على إنتاج تفاصيل مقنعة، كما أن التصوير الحقيقي قد يحتوي على تشوهات ناتجة عن العدسات والضغط والمعالجة الرقمية.
ولهذا تتجه الأبحاث إلى وسائل أكثر تقدمًا، من أبرزها:
بيانات مصدر المحتوى (Content Credentials): وهي معلومات موثقة بتوقيعات رقمية وفق معيار C2PA، يمكن أن تساعد في معرفة كيفية إنشاء الملف وتعديله، إذا كانت مدعومة ومتاحة.
العلامات المائية الرقمية (Digital Watermarking): أنماط تُدمج داخل المحتوى عند توليده، وقد تسمح لاحقًا بالتعرف على مصدره باستخدام أدوات متخصصة، كما في تقنية SynthID من Google.
لكن وجود بيانات موثقة لا يثبت بالضرورة صحة ما تعرضه الصورة، وغياب العلامة المائية لا يعني أن المحتوى بشري أو حقيقي.
وفي مقاطع الفيديو، يفيد البحث عن النسخة الأصلية، وفحص السياق وتاريخ النشر، ومقارنة المشاهد بمصادر مستقلة. فقد يكون الفيديو حقيقيًا تمامًا، لكن جرى نشره بوصف مضلل أو نُسب إلى مكان وزمان مختلفين.
سادسًا: هل يمكن الوصول إلى كشف دقيق بنسبة 100%؟
لا توجد حتى الآن طريقة عامة يمكن الاعتماد عليها للحكم بصورة قطعية على مصدر كل نص أو صورة أو فيديو بمجرد النظر إلى المحتوى النهائي.
بعض الأنظمة المتخصصة تحقق أداءً مرتفعًا في ظروف محددة، وبعض تقنيات التوثيق تقدم أدلة قوية على المنشأ، لكن النتائج تختلف باختلاف الأداة ونوع المحتوى وعمليات التعديل التي مر بها.
وهناك فرق كبير بين عبارة «تشير الأدلة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي» وعبارة «ثبت أن الكاتب لم يكتب النص».
الأولى نتيجة قابلة للفحص والمراجعة، أما الثانية فقد تتحول إلى اتهام يمس سمعة إنسان.
وماذا عن مستقبل الكتابة؟
شخصيًا، لا أعتقد أن القيمة الحقيقية للمقال تتحدد فقط بالطريقة التي كُتب بها، وإنما بما يحمله من معرفة وصدق وأمانة فكرية، وبمدى وضوح دور صاحبه في إنتاجه.
ومع ذلك، يبقى من حق القارئ معرفة طبيعة المحتوى حين تكون طريقة إنتاجه مؤثرة في الثقة به، خصوصًا في الأخبار والأبحاث والأعمال الأكاديمية.
قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي على الكتابة والتصميم والبحث، لكنه لا يعفينا من مسؤولية التحقق، ولا ينبغي أن يصبح استخدامه ذريعة للاتهام أو سببًا للاستخفاف بالإبداع البشري.
فالكتابة الجيدة ليست دليلًا على أنها آلية، والأخطاء ليست دليلًا على أنها بشرية.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه في السنوات المقبلة أقل تعلقًا بمن ضغط أزرار لوحة المفاتيح، وأكثر تعلقًا بمن امتلك الفكرة، وتحقق من المعلومات، وتحمل مسؤولية ما نشره.
والآن، هل سبق أن قرأت منشورًا وظننت أنه مكتوب بالذكاء الاصطناعي، ثم اكتشفت أن صاحبه كتبه بنفسه؟
المصادر والمراجع العلمية
OpenAI (2023). New AI Classifier for Indicating AI-Written Text. نتائج الأداة التجريبية وأسباب إيقافها. https://openai.com/index/new-ai-classifier-for-indicating-ai-written-text/
Liang, W., et al. (2023). GPT Detectors Are Biased Against Non-Native English Writers. Patterns, 4(7), 100779. https://doi.org/10.1016/j.patter.2023.100779
Alshammari, H. & Elleithy, K. (2024). Toward Robust Arabic AI-Generated Text Detection: Tackling Diacritics Challenges. Information, 15(7), 419. https://doi.org/10.3390/info15070419
Expert Systems with Applications (2026). Arabic Machine-Generated Text Detection: Stylometric Analysis and Cross-Model Evaluation. https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0957417425042599
NIST (2024). Reducing Risks Posed by Synthetic Content: An Overview of Technical Approaches to Digital Content Transparency. التقرير العلمي AI 100-4. https://www.nist.gov/publications/reducing-risks-posed-synthetic-content-overview-technical-approaches-digital-content
C2PA. Content Credentials Technical Specification. المعيار التقني لتوثيق منشأ المحتوى الرقمي. https://spec.c2pa.org/specifications/
Google DeepMind (2024). Watermarking AI-Generated Text and Video with SynthID. https://deepmind.google/blog/watermarking-ai-generated-text-and-video-with-synthid/
#الذكاء_الاصطناعي #ومضة_تقنية #مجتمع #التحقق_الرقمي #التكنولوجيا
