
مقال 4 دقائق للقراءة
الحياة التي أستحقها ,والحياة التي أعيشها .
قد لا نصل إلى الحياة التي نستحقها بالمعنى الكامل ,لأن مفهوم ما نستحق يتغير كلما تغيرنا, يتغير كلما تغيرت المعطيات ,كلما تغير الوقت والزمان والعوامل المحيطة بنا ولمؤثرة فينا
ثمة سؤال يلاحق العقل ليل نهار ,في لحظات صفاءه وكدره-لماذا تبدو حياتي هكذا أقل مما كنت أستحق ؟
هل الحياة التي استحقها في مخيلتي هي الأفضل لي ,أم أن الواقع الذي أعيشه هو أفضل اختيار لي ؟
هل هو القدر ,ام الظروف المحيطة, ام التقصير المستمر والفشل الذريع ؟
تمتد المسافة بين هذا وذاك ,وقد لاتكون بالضرورة مسافة فشل ,قد تكون مسافة وعي وإدراك ,أو تساؤلات عميقة غير مجاب عنها ,انها تلك المسافة الرمادية التي تتقاطع فيها التوقعات مع الامكانيات, الاحلام مع الظروف ,والذات مع العالم المحيط,الواقع وما نتخيل أننا نرجوه.
هذا النص ليس تشخيصا نفسيا لفهم طبيعة الحالة النفسية لشخصي المتسائل بقدر ماهو محاولة لفهم تلك المسافة وقراءة مايقال عنها وعن زماننا الذي نعيشه وطبيعة شخصياتنا فيها .
الحياة التي أستحقها -كيف تم رسم خريطتها ؟
هل هي نتيجة الجهد المبذول فيها فوصلت الي تلك المكانة؟
أم هو صدق مع النفس وإعتراف بالتقصير؟
هل هي نتجة موروث زرع فينا منذ الصغر وعلي مدار الأيام الماضية من الأهل والمدرسة والمجتمع ( شهادة معينة ,وظيفة مرموقة,زواج ناجح,منزل فخم بمواصفات معينةوخاصه)أم أنها المقارنة بين ما نحن فيه وما بلغه بعض الأشخاص ممن هم حولنا ونري في أنفسنا دوما أننا نستحق بالمثل مكانة مثلهم دون معرفة التكاليف الحقيقة والتنازلات التي تمت للوصول اليها .
أم أنها الإحساس العميق في داخل كل منا أننا كبشر نستحق دائما الأفضل(وهذا بالفعل حق مشروع ولاجدال فيه ) ونرى أن المساواة هي الحياة بشكل مماثل كما نرى في الصورة من بعيد دون معرفة التفاصيل التي شكلت المعالم في الصورة حتى أصبحت بهذا المنظر .
الحياة التي أعيشها :هل هي نجاح أم فشل أم واقع ؟
هل هي نتيجة تقصير في الاجتهاد ,أم انها تقاطع معقد بين الخيارات المطروحة ,والعادات الموروثه واستجابتنا لها ؟
هل هي الظروف الاقتصادية والاجتماعية والحروب المحيطه بنا ,أم أن الانحباس الحراري وثقب الأوزون له دور فعال في ذلك؟
هل هو نتيجة ما نجهله عن أنفسنا وقدراتنا الحقيقية ,حدودنا نحو تحقيق الأهداف المرجوه ,أم هو الجهل بما يمنحنا السكينة فعلا؟
فلماذا تتسع المسافة بين الواقع وما نرجوه؛
قد تكون أحد الأسباب أننا تربينا علي أن الحياة تسير دوما في خط مستقيم متصاعد منتظم من النجاحات .
تتعلم فتنجح وتحصل علي أعلى الشهادات ,ثم تحصل على أفضل الوظائف ,تتزوج تنجح في حياتك الأسرية دون عقبات ,تنجح في كل ماسبق دون مشاكل ،حياة مستقرة دون عقبات أو زلازل او انتكاسات (حياة وردية ليس فيها مشكلات).
قد تكون المقارنة هي أحد تلك الأسباب ,فلم يعد الانسان يقيس حياته بمعاييره هو بل أصبح يقارن نفسه بعيون الاخرين ومقايسهم (اجتماعيا,اقتصاديا,وحتى نفسيا ) فأصبحنا رهينة نظرتنا الي ما يملكه غيرنا لا الى ما نحتاجه نحن بظروفنا نحن وطبيعتنا نحن.
من المقارنة بين هذا وذاك الي بعض التحليل .
لماذا دائما ما يكون السؤال لماذا لم أحصل على ما أستحق؟,وهل يمكن أن يكون السؤال ما الذي أريده فعلا ,لا ما يفترض أن أريده؟
أو ما الفرق بين ما أستحقه وما أستطيع بلوغه في ظروفي الحالية ووقتي الحالي ؟
هل هناك ما أقبله في حياتي وواقعي بدافع الخوف لا القناعه,هل أنا مضطر للقبول بدافع الرضى,أم أنني يمكنني التغيير غدا ولو شيئا بسيطا.؟
وما الذي يمكنني التخلي عنه لأصل الى ما أريد (هنا تصبح المقارنة عادلة بين ما يمكن التخلي عنه لبلوغ ما نريد ,وما لايمكن الخلي عنه ),هذه التساؤلات والإجابة عنها تجعلنا ننتقل من واقع الضحية الى التفكير الجيد من واقع المسؤلية,من الاحلام الوردية الى الفعل الواعي والإدراك التام لما نحن عليه وما يحيط بنا والفرص المتاحة للتغيير .
هل نحتاج الى مصالحة نفسية بين الحالتين ,او الحياتين ؟
المصالحة في الحقيقة لا تعني الاستسلام للواقع الذي نعيشه ولا التمسك الأعمى بالحياة التي نرجو استحقاقها والمطالبة بها دوما دون إدراك,قد يكون الإعتراف بأن الحياة الحالية التي نعيشها ليست فشلا كاملا وفيها الكثير مما يستحق الثناء والإمتنان عليه,وأن قبول ما لا يمكن تغييره فيها بالتخلي عن أشياء لا يمكن التخلي عنها أن يعني الرضا بها للأبد ,هو بداية بلوغ ما نرجو أن نستحقه ,وأن إعادة تعريف ما أستحق أنا من خلال (أمكاناتي,قدرتي عن التخلي ,الظروف المحيطة)هو البداية الفعلية لتحويل الفجوة من الاتهام لنفسي بالتقصير والفشل الي خطة صغيرة قابلة للتنفيذ .
قد لا نصل إلى الحياة التي نستحقها بالمعنى الكامل ,لأن مفهوم ما نستحق يتغير كلما تغيرنا, يتغير كلما تغيرت المعطيات ,كلما تغير الوقت والزمان والعوامل المحيطة بنا ولمؤثرة فينا.
لكن الأهم من ذلك كله والأولى أن نعيش حياة نستطيع التعرف فيها على أنفسنا وليس حياة نهرب فيها منا.
بين الحياة التي أعيشها والحياة التي أستحقها ,لا يوجد حكم نهائي أو قالب معين ينتقل فيه الشخص فيصبح ما يستحق.
ولكن يوجد مساحة فضاء من الوعي والإدراك والتمييز,حيث يصبح السؤال نفسه بداية للتغيير لا لجلد الواقع والذات, وما لا يدرك كله لا يترك كله.
السؤال الأن ليس لماذا لم أعش ما أستحق؟, بل ما هي أول خطوة صغيرة نحو حياة أقرب الي ما أريد أن أكون؟
السلام النفسي والإدراك والوعي هو أول بداية الإنطلاق نحو الراحة النفسية والرضا التام.
#كرم_محمد_حربي
#مجتمع
#أدب
#نثر
