
مقال 4 دقائق للقراءة
الأدب الأندلسي في عصر الإمارة
مقالات عن رحلة الأدب في ربوع الأندلس
الأندلس هي تلك البلاد المسماه حاليا بدولتي أسبانيا والبرتغال في شبه الجزيرة الأيبرية والتي تقع في الجنوب الغربي من أوربا، وقد عرفت بالأندلس منذ عرفت العرب المسلمين في الفتح الإسلامي لها علي يد القائد طارق بن زياد وموسى بن نُصير سنة ٩٢ هجرية، وقد احتفظت بهذا الاسم الذي اطلقه العرب عليها حتى بعد خروجهم وسقوط دولتهم فيها، حيث مازال يعرف جنوب أسبانيا بإقليم ( أندلوثيا- Andalucia) بالأسبانية، ويضم ألمرية وغرناطة ومالقة وجُيَّان.
استمرت رحلة الأدب العربي في الأندلس ثمانية قرون تأثر فيها ببيئتها التي تتخللها الأنهار والمراعي والحدائق الغناء، فاتسمت ألفاظه بالرقة والعذوبة، وجاء الشعر يتخلله النسيم والورود والجدول والينبوع سلسا رقراقا، فأثر فيها وما جاورها من بيئات لفترات طويلة مرت عليه من القوة والانحدار عرفت بعدة عصور منذ الفتح حتى السقوط.
عرفت الأندلس قدرا ضئيلا من الثقافة الإسلامية في عصر الولاة حيث تأسست أوائل المدارس الأندلسية بتأسيس المساجد في إشبيلية وقرطبة وغيرها. وفد القدر الضئيل من الأدب مع نفر من الأدباء الذين خدموا في الولايات الأندلسية، وقد حفظت لنا المراجع بعض من أسماء الشعراء مثل أبو الأجرب جعونة بن الصَّمّة الذي اشتهر بهجاء الصميل بن حاتم رئيس القيسية ومن شعره : (ولقد أراني من هواي بمنزل عال ورأسي ذو غدائر أفرع. والعيش أغيد ساقط أفنانه والماء أطيبه لنا والمرتع)، وقد اتسم الأدب في هذا العصر بالتقليد والمحاكاة للأدب المشرقي من حيث أغراض الشعر من مدح وهجاء وفخر وحماسة، فهو أميل للبداوة والخشونة. أما النثر فكانت دواعيه أكثر من الشعر، فالخطابة كانت ضرورة لظروف الحرب والنزاع القبلي، كذلك الكتابة من حيث العهود والمواثيق التي تبرم، والرسائل بين القادة والولاه. ومع وفود عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس وبداية تأسيس الإمارة، فتح المجتمع الأندلسي عينيه علي بواكير حضارة، أراد الأُمويين أن يعيدوا بها في الأندلس حضارة فقدوها في المشرق. وإن أول ما يُلاحظ في هذه الفترة من الأدب ظهور أول جيل جديد من الأدباء الأندلسيين، وظهور بعض الأديبات، ولم يقتصر الإشتغال بالأدب على الشعب فقط ولكن الحكام أيضاً فظهرت السمات الأولى التي تميز الأدب الأندلسي. الشعر كان يسير على المنهج المحافظ من حيث بناء القصيدة، وتجميع صورها من عالم البادية في لغة تُستوحى من الزاكرة والتراث أكثر من الواقع. وسير الأندلسيين على هذا النهج المحافظ كما يظن البعض ليس بدافع التقليد، وإنما له أسبابه ذلك أن العرب كانوا ينتقلون إلى أي إقليم جديد وفي مخيلاتهم عالم مثالي، هو ذلك العالم الذي عاش فيه آباؤهم الأقدمين، حيث الصحراء والنوق والبان إلى آخر مايميز لوحة البادية. وكان أبناء العرب يعتقدون أن خير أدب هو ماكتبه آباؤهم ذاك في عالمهم المثالى، وأن الأديب لابد أن يأتي بما يشابه ما أنتجه هؤلاء الرواد الأوائل، وهذا التفكير لم يكن في الأندلس وحسب وانما متوارث إلى عصرنا هذا، فنجد شعراء العصر الحديث يسيرون على نفس النهج كأمير الشعراء أحمد شوقي و حافظ إبراهيم وغيرهم، وماذال شعراؤنا ينهلون من هذا النبع إلى وقتنا هذا من معارضات لقصائد الأقدمين. وإن أكثر ماتميز به الشعر هو العاطفة القوية، والتجويد الفني، وطرق موضوعات جديدة فهذا أبو المخشي الشاعر يستخدم تعبيرا إيحائيا بسيطا غاية التأثير في وصفه لمحنة العمى خضعت أم بناتي للعدا إذ قضى الله بأمر فمضى ورأت أعمى ضريرا إنما مشيه في الأرض لمس بالعصا ففؤادي قرح من قولها ما من الأدواء داء كالعمى ، أما عن التركيز العاطفي حتى يكاد لايبدو في النص إلا العاطفة كقول عبد الرحمن الداخل : تبدَّتْ لنا وسْطَ الرُّصافة نخلةٌ تناءتْ بأرضِ الغرب عن بلد النخلِ فقلتُ شبيهي في التغرُّب والنوى وطولِ الـتَّنائي عن بَنِيَّ وعن أهلي نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبةٌ فمثلُكِ في الإقصاءِ والمُنْتأى مثلي ، فقد ترك كل صفاتها الماديه وأخذ يوصفها بصورة حسية عاطفية، فجعلها انسانا حيا تنائى عن وطنه مثله تماما وشاركها شجونه. ومثال آخر له قوله : أيها الراكب الميمم أرضي أقر مني السلام بعضي لبعضي إن جسمي كما علمت بأرض وفؤادي ومالكيه بأرض قدر البين بيننا فافترقنا وطوى البين عن جفوني غمضي قد قضى الله بالفراق علينا فعسى باجتماعنا سوف يقضي ولا شك أن هذه الطريقة بالإضافة إلى صدقها وطبيعة صاحبها جعلت أبرز مافي الشعر هو العاطفة. وهكذا نجد أن الشعر بالإضافة إلى تمسكه بالأسلوب الشرقي المحافظ إلا أنه قد ظهرت له خصائصه التي صنعت ملامح الشعر الأندلسي المتميز في عصر تأسيس الإمارة وهي فترة مبكرة من تاريخه الذي استمر لثمانية قرون.
