
مقال 6 دقائق للقراءة
قبر الغريب ( الملك الأسير)
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي.. حقا ظفرت بأشلاء ابن عبَّاد
"قَبرَ الغَريب سَقاكَ الرائِحُ الغادي حَقّاً ظَفَرتَ بِأَشلاء ابن عَبّادِ بِالحِلمِ بالعِلمِ بِالنُعمى إِذِ اِتّصلَت بِالخَصبِ إِن أَجدَبوا بالري لِلصادي وَلا تَزالُ صَلاةُ اللَهِ دائِمَةً عَلى دَفينكَ لا تُحصى بِتعدادِ" نقشت الأبيات على شاهدة ضريح لبناية تاريخية بمدينة أغمات على بعد ٣٥ كيلو متر من مراكش بالمغرب، شُيَّدت لتكون ضريحا للملك الشاعر المعتمد بن عبَّاد، والأبيات نظمها في رثاء حاله. قبل أن نعرف حكاية الشعر وصاحبه سنتوقف قليلا في الأندلس حيث أشبيلية حاضرة بنو عبَّاد. يُعتبر إسماعيل ابن عبَّاد هو المؤسس لهذه الدولة، وقد كان من أهل الجاه والأدب والفقه، اتصل بالمنصور بن أبي عامر وولاه خُطة القضاء وظل عليها حتى زمن الفتنة وانهيار الدولة الأموية، واستطاع أن يجمع حوله الناس بجوده وكرمه، فاستخلص أشبيلية لنفسه كما استولى كل والٍ على ماتحت يديه، وعُرفوا جميعاً بملوك الطوائف. خلفه ابنه أبو عمرو ابن عبَّاد ولُقب بالمعتضد، وقد كان أقوى الأمراء وأعظم هؤلاء الملوك الذين عُرفوا بملوك الطوائف، كان طاغية جباراً فتح ماجاوره من بلاد وأخضع الكثير إلى سلطانه، حتى صارت أشبيلية أعظم قوة في الأندلس. خلفه ابنه أبو القاسم محمد وهو الملك الشاعر المعتمد بن عبَّاد، كان المعتمد أعظم ملوك الطوائف جميعاً وأقواهم. كانت لبني عبَّاد بالأدب والشعر خاصة عناية مهمة، حتى غدت أشبيلية فوق علوها السياسي صاحبة علو ثقافي أيضا. كان المعتمد شاعراً صادقا بكل ماتوحي هذه الكلمة من معانٍ، خُلق ليقرض الشعر ويتغنَّى بالإحساس وجماله، فقد كان له داراً لا يدخل عليه أحدٌ فيها غير الشعراء، وكان يوم الأثنين من كل أسبوع كما في نفح الطيب. وقد كان لا يستوزر أحداً مالم يكن شاعراً أو كاتباً، وسعى في إجتذاب الأدباء والشعراء، فوفدوا عليه ونالوا الكثير من جوده. عاش المعتمد أميرا فملكاً، وكان كالعصفور يتغنَّى بشعره، تملؤه الحياة شعورا فيجود بالجمال في قصائده كقوله :"ولقد شربت الراح يسطع نورها والليل قد مد الظلام رداء حتى تبَّدى البدر في جوزائه ملكا تناهى بهجة وبهاء لما أراد تنزُّهاً في غربه جعل المظلة فوقه الجوزاء " كان الغزل أهم أغراض شعر المعتمد في فترة الإمارة والملك، وهذا الغزل إنما دل على أن صاحبه مغرم بالجمال يتبعه أينما كان. يقول : "الصُبحُ قَد مَزَّقَ ثَوبَ الدُجى فَمَزِّقِ الهَمَّ بِكَفي مَها خُذ باسمِها مِن ريقِها قَهوَةً في لَون خَدّيها تُجَلّي الأسى ". وقال : "أَسَر الهَوى نفسي فَعَذبَها يَومَ الوِداع فَلَم أَطِق مَنعا فَأذابَ حَرُّ صَبابَتي كَبِدي وَأسالَها في جُنَّتي دَمعا ". اتصل به ابن عمار وكان من أصحاب المواهب الأدبية وبرع في صناعة الشعر،فتوطدت بينهما الصداقة واستوزره المعتمد ووكله أموره، وصار مرة أنهما كان يتنزهان وجلسا على شاطئ نهر الوادي الكبير، وكانت الرياح تحرك الماياه حركات خفيفة فقال المعتمد لابن عمار أجز (أي أكمل البيت) : "صنع الريح من الماء ذرد.."، فأطال ابن عمار التفكير ولم ينطق، وكانت على مقربة منهما امرأة تغسل في النهر فقالت على البديهة : " أي درع لقتال لو جمد"، وكأنّ المعتمد على موعدٍ مع الحب فسألها أذات زوج؟ فقالت لا، وكانت حسناء فاتنة جارية لرميك بن حجاج وعرفت باعتماد الرميكية، فتزوجها المعتمد وهام بها أشد حب. وكان من فرط تولهه بها أنه لا يرفض لها أي شئ ولعل حادثة ولا يوم الطين، حينما رأت نساء يلعبن في الطين بعد المطر فاشتهت أن تماثلهم، فأمر المعتمد بأصناف من الطيب والكافور وخلطت بالمسك والعنبر حتى صارت أشبه به في ساحة قصره لتلهو بها أشد دليل على أن نزواتها وانفراطه بها وانصرافه عن الناس سبب غضب العامة ورجال الدين عليه. يقول فيها : "أَغائِبَةَ الشَخصِ عَن ناظِري وَحاضِرَةً في صَميمِ الفُؤادِ عَلَيكِ السَلامُ بِقَدرِ الشُجون وَدَمع الشُؤونِ وَقَدرِ السُهادِ مُراديَ لُقياكِ في كُلِّ حين فَيالَيتَ أَنّي أَعطى مُرادي دسَستُ اِسمَكِ الحُلوَ في طيّ شِعري وَألّفتُ فيهِ حُروفَ اِعتِمادِ " وأيضاً : "يا هَذِهِ كفِّي فَإِنّي عاشِقٌ مَن لا يَرُدُّ هَوايَ عَنها عاذِلُ حُبّ اعتِمادٍ في الجَوانِحِ ساكِنٌ لا القَلبُ ضاقَ بِهِ وَلا هُوَ راحِلُ يا ظَبيَةً سَلَبَت فُؤادَ مُحَمدٍ أَوَ لَم يُرَوّعكِ الهَزبرُ الباسِلُ" تداخلت الأحداث واضطربت في الأندلس، ذادت قوة ملك قشتالة الأسبانية وسعيه في الاستيلاء على ممالك الأندلس، مما اضطر المعتمد إلى مهادنته وعقد ابن عمار معاهدة سرية مع ألفونسوملك قشتالة تعهد فيها على معاونته ضد خصومه، وتعهد المعتمد أن يتركه حرا في محاربة طليطلة، وهكذا ضحى المعتمد بالمعقل الأكبر للأندلس وسقطت طليطلة. سرعان ما استدرك خطأه العظيم ونقم على ابن عمار وسجنه، وشعروا جميعا بالخطر واتفقوا على الوحدة واستنجدوا بيوسف ابن تاشفين أمير المرابطين، وهزموا ألفونسوا في موقعة الزلاقة التي أخرت سقوط الأندلس لعدة قرون أخرى وكان للمعتمد بلاءً حسنا فيها يقول حين تذكر ابن له تركه عليلا بأشبيلية: "أبا هاشم هشّمتني الشفار فَللَّه صبري لذاك الأوار ذكرت شخيصك ما بينها فلم يدعني حبّه للفرار" رجع بعدها ابن تاشفين لعدوة المغرب ثم عاد ملوك الطوائف للفرقة مرة أخرى فعبر للأندلس ليوحدها ويقضي عليهم جميعا، ولما قاومه المعتمد بن عبَّاد حمله وأهله أسيراً وسجنه بأغمات، وقد وصف شاعره أبو بكر ابن اللبانة خروجه فقال : "تبكي السماء بمزنٍ رائحٍ غادي على البهاليل من أبناء عباد على الجبال التي هُدت قواعدها وكانت الارض منهم ذات أوتاد"ظل المعتمد في محنة الأسر بأغمات بقية عمره عانى فيها أشد العناء حتى رأى بناته يبعن الصوف من غزل أمهم، ولكنه لم يتذلل ولم يسترحم ولا يستعطف صبر عليه حتى وافته المنية وبجواره زوجته وحبيبته اعتماد الرميكية، هذه بعض قصائده في محنته :"فيما مَضى كُنتَ بِالأعيادِ مَسرورا فَساءَكَ العيدُ في أَغماتَ مَأسورا تَرى بَناتكَ في الأطمارِ جائِعَةً يَغزِلنَ لِلناسِ ما يَملِكنَ قَطميراً يَطأنَ في الطين وَالأقدامُ حافيَةٌ كَأَنَّها لَم تَطأ مِسكاً وَكافورا مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ فَإِنَّما باتَ بِالأحلامِ مَغرورا"وأيضاً : "هُم أَوقَدوا بَينَ جَنبيكَ نارا أَطالوا بِها في حشاكَ اِستِعارا أَما يَخجَلُ المَجدُ أن يُرحِلوك وَلَم يَصحبوكَ خباءً مُعارا فَقَد قَنَعّوا المَجدَ إِن كانَ ذاك وَحاشاهمُ منك خِزيا وَعارا يَقِلُّ لعينيك أَن يَجعَلوا سَوادَ العيونِ عَلَيكُم شِعارا"ويقول : "قَيدي أَما تَعلمني مُسلما أَبَيتَ أَن تُشفِقَ أَو تَرحَما دَمي شَرابٌ لَكَ وَاللَحمُ قَد أَكَلتهُ لا تَهشم الأعظُما"وسنختم بأبياته القائل فيها : "غَريب بِأَرضِ المغربينِ أَسيرُ سَيَبكي عَلَيهِ مِنبَرٌ وَسَريرٌ إِذا قيلَ في أَغماتَ قد ماتَ جودُهُ فَما يُرتَجى لِلجودِ بَعدُ نُشورُ مَضى زَمَنٌ وَالمُلكُ مُستأنِسٌ بِهِ وَأَصبَحَ مِنهُ اليَوم وَهوَ نَفورُ أَذَلَّ بَني ماءِ السَماءِ زَمانُهُم وَذُلُّ بَني ماءِ السَماء كَبيرُ فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتنّ لَيلَةً أَمامي وَخَلفي رَوضَةٌ وَغَديرُ تُراهُ عَسيراً أَو يَسيراً مَنالُهُ ألا كُلّ ما شاءَ الإلَهُ يَسيرُ" عاش المعتمد حياته شجاعا حافظا لدينه برغم ماكان منغمسا فيه من اللهو والدعة، فحين أراد أن يستنجد بابن تاشفين ونهاه ناصحيه بأنه إن جاء سيملك جزيرة الأندلس كلها قال مقولته الشهيرة :" لرعي الجمال عند ابن تاشفين خير لي من رعي الخنازير عند ألفونسو، ووالله لايقال أن المعتمد بن عبَّاد قد أعاد الجزيرة إلى دار كفر مرة أخرى". ألا رحمة الله عليك أيها المعتمد بن عبَّاد. بقلم / محمود أبو زيد
