
مقال 6 دقائق للقراءة
مساحة عشق من قرطبة لأشبيلية
مساحة عشق من قرطبة لأشبيلية
مساحة عشق من قرطبة لأشبيلية لا تنتهي على اليمين من بوابة الدخول إلى المدينة القديمة في قرطبة الحديثة نُصب تذكاري في ساحة مارتيليه يسمى "نُصب الحُب"، وفيه كفان كادا أن يلتقيان، يحاكيان يد الشاعرة "ولادة بنت المستكفي" و يد حبيبها الشاعر "ابن زيدون". وكتب على التمثال أبيات شعر عربية لكل من ابن زيدون وولادة،في الأعلى نقشت أبيات ولادة وهي: "أغار عليك من عيني ومني.. ومنك ومن زمانك والمكانِ ولو أني خبأتك في عيوني.. إلى يوم القيامة ما كفاني". وتحتها كتبت أبيات لابن زيدون وهي: "يا مَن غَدَوتُ بِهِ في الناسِ مُشتَهِراً قَلبي عَلَيكَ يُقاسي الهَمَّ وَالفِكَرا إِن غِبتَ لَم أَلقَ إِنساناً يُؤَنِّسُني وَإِن حَضَرتَ فَكُلُّ الناسِ قَد حَضَرا". قبل أن نعرف حكاية الشعر وصاحبيه سنتوقف قليلا عند الفترة التاريخية التي عاشا فيها. مرت الأندلس بعصور من القوة والإذدهار فترة الخلافة الأموية حد الكمال، ثم مابعد الكمال بدأ الضعف يتخلل في أوصالها إلى أن انفرط عقد الدولة الأموية وانتهت الخلافة، لتدخل الأندلس في عصر جديد عرف في التاريخ بعصر ملوك الطوائف،حيث تقسمت إلى دويلات صغيرة لكل مدينة ملك مثل بني جهور في قرطبة، وبني عباد في أشبيلية، وهما محط أنظارنا. واذا كانت الأندلس في القرن الخامس انقسمت سیاسيا إلى إمارات عديدة متنافسة متناحرة فإن هذا الضعف السياسي أنتج قوة علمية وأدبية كان سببها تنافس الأمراء في فنون الآداب والعلوم ، ولازدهار الشعر بالأندلس يكاد الباحث يعتقد أن أهلها جميعهم شعراء وإلى هذا أشار القزوینی "( إن أي فلاح يحرث في شِلْب يرتجل ما شئت من الأشعار فيما شئت من الموضوعات)". وقد نشأ ابن زيدون في قرطبة في بيئة مثقفة وكان أبوه من وجهاء قرطبة وفقهائها، نشأ شاعرنا مترفا في عصر يتسم بالترف واللهو والنعيم، وقد كرَّس حياته للدرس والتحصيل وساعده نبوغه ومواهبه على شهرته الواسعة وهو لم يتجاوز العشرين من عمره. اشترك في الفتنة القرطبية و ساهم بنصيب كبير في الثورة التي زلزلت الدولة الأموية ودولة بني حمود، وانتهى الأمر بنهايتها وقيام ملوك الطوائف على أنقاضها،وقد قربه ابن جهور وأعلى قدره ومنحه لقب ذي الوزارتين. ساقته الأقدار إلى حب ولادة بنت المستكفي، الخليفة الأموي الذي خلعه أهل قرطبة، كان مجلسها منتدى للأدباء والشعراء، عريقة النسب، وهي أديبة شاعرة امتازت بعذوبة الحديث، وسرعة البديهة،وسعة الاطلاع، اما جمالها فكان مثار الإعجاب والهام الشعراء يقول عنها ابن زيدون : "ربيب ملك كأن الله أنشأه مسكا وقدر إنشاء الورى طينا كأنما أنبتت في صحن وجنته زهر الكواكب تعويذاوتزيينا " كان لحب ولادة أعظم الأثر في نفسه، فقد ألهب مشاعره وأكسبها شاعرية خصبة ظل صداهما يتردد في الأزهان قرونا بعدهما. تجاذبه ولادة برقة طرفها قائلة : "ترقّب إذا جنّ الظلام زيارتي فإنّي رأيت الليل أكتم للسرِّ وَبي منك ما لو كانَ بالشمسِ لم تلح وبالبدر لم يطلع وَبالنجم لم يسرِ"تهيم النفوس حتى يظن الحبيبان أن أيام الوصال لن تنقضي أبدا يقول ابن زيدون :"ودّعَ الصبرَ محبٌّ ودّعَكْ، ذائعٌ منْ سرّهِ ما استودَعَكْ يقرَعُ السّنَّ على أنْ لمْ يكنْ زَادَ في تِلْكَ الحُطَا، إذْ شَيّعَكْ يا أخا البدرِ سناءً وسناً؛ حفظَ اللهُ زماناً أطلعَكْ إنْ يَطُلْ، بَعْدَكَ، لَيلي، فلَكَمْ كنت أشكُو قِصَرَ اللّيْلِ مَعَكْ!" ولكن هيهات أن يدوم الهناء، فجائت أيام القطيعة التي لم تنتهي أبدا بينهما، وهذه التجربة العاطفية العميقة التي عاشها ابن زيدون أذاقته جميع ألوان الحب من وصال وصد وهجر ودلال وغيرة وقسوة وثقة، واستغرقت حياته كلها فظل ينشدها بالغزل تارة والحنين تارة أخرى. كقوله :"إِلَيكِ مِنَ الأنامِ غَدا ارتِياحي وَأَنتِ عَلى الزَمانِ مَدى اِقتِراحي وَحَسبِيَ أَن تُطالِعَكِ الأماني بِأُفقِكِ في مَساءٍ أَو صَباحِ فُؤادي مِن أَسىً بِكِ غَيرُ خالٍ وَقَلبي عَن هَوىً لَكِ غَيرُ صاحِ وَأَن تُهدي السَلامَ إِلَيَّ غِبًّا وَلَو في بَعضِ أَنفاسِ الرِياحِ" "علامَ صرمتَ حبلكَ من وصولِ؛ فديْتُكَ، واعتززْتُ على ذليلِ؟ فَهَلا عُدْتَني، إذْ لَمْ تُعَوَّدْ بشَخصِكَ، بالكتابِ أوِ الرّسُولِ؟ " "ولوْ أنّ الزّمانَ أطاعَ حكْمِي فديْتُكَ، مِنْ مكارهِهِ، بنَفسي " "أغائبة عنّي، وحاضرة معي ! أناديكِ، لمّا عيلَ صبريَ، فاسمعي أفي الحقّ أن أشقى بحبّكِ، أوْ أرَى حَرِيقاً بأنفاسي، غَرِيقاً بأدمُعي؟ صليني، بعضَ الوصلِ، حتى تبيّني حقيقة حالي، ثمّ ما شئتِ فاصنَعي" "بيْني وبينكَ ما لو شئتَ لم يضعِ سرٌّ، إذا ذاعتِ الأسرَارُ، لم يَذعِ يكفيكَ أنّك، إنْ حمّلتَ قلبي ما لم تستطِعْهُ قلوبُ الناسِ يستطعِ" "تطَلّعَ لي هِلالُ الهَجْرِ بَدْراً، وصارَ هلالُ وصلكَ في سرارِ وشاعَ شَنِيعُ وَصْلِكَ لي وهَجرِي، فَهلا كانَ ذَلِكَ في استِتَارِ؟ فراعِ مودتي، واحفظ جواري فَإنْ اللَّهَ أوْصى بِالجِوارِ" "أضْحَى التّنائي بَديلا عنْ تَدانِينَا، وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا أَنَّ الزَمانَ الَّذي مازالَ يُضحِكُنا أُنساً بِقُربِهِمُ قَد عادَ يُبكينا فَانحَلّ ما كانَ مَعقُوداً بأَنْفُسِنَا؛ وَانْبَتّ ما كانَ مَوْصُولا بأيْدِينَا وَقَدْ نَكُونُ، وَمَا يُخشَى تَفَرّقُنا، فاليومَ نحنُ، ومَا يُرْجى تَلاقينَا" "إنّي ذكرْتُكِ، بالزّهراء، مشتاقا، والأفقُ طلقٌ ومرْأى الأرض قد راقَا وَللنّسيمِ اعْتِلالٌ، في أصائِلِهِ، كأنهُ رَقّ لي، فاعْتَلّ إشْفَاقَا لوْ شاء حَملي نَسيمُ الصّبحِ حينَ سرَى وافاكُمُ بفتى أضناهُ ما لاقَى"أما ولادة فتنشده أيضا : "لحاظُكم تجرحُنا في الحشا وَلَحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرحٍ فاِجعلوا ذا بذا فما الّذي أوجبَ جرح الصدود" "أَلا هَل لنا من بعد هذا التفرّق سبيلٌ فيشكو كلّ صبّ بما لقي وَقد كنت أوقات التزاورِ في الشتا أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ فَكيفَ وقد أمسيت في حال قطعة لَقد عجّل المقدور ما كنت أتّقي تمرُّ الليالي لا أرى البين ينقضي وَلا الصبر من رقّ التشوّق معتقي سَقى اللَه أرضاً قد غدت لك منزلا بكلّ سكوب هاطل الوبل مغدقِ " قضى شاعرنا بقية عمره في كنف المعتضد بن عباد بعد أن قربه إليه وأعلى مكانته في بلاطه، من بعد ماعانى في سجنه بقرطبة وهروبه إلى أشبيلية والتجائه لبني عباد. وقد كان حبه لولادة هي الزريعة التي وشى بها حساده عند ابن جهور. وظل ابن زيدون مقربا عند المعتضد حتى وافته المنية، وتولى من بعده ابنه المعتمد ابن عباد، وكان شاعرا أديبا نشأت بينهما صداقة متينة وكان أستاذه الروحي في الشعر وله مكانة خاصة في نفس المعتمد لم يستطع الواشون تغييره عليه. ظل شاعرنا قائما بواجبه مع الأمير الجديد حتى دانت قرطبة إلى المعتمد بن عباد، وعاد الشاعر إلى مكان نشأته وأيام صباه وحنينه الذي لم يفارقه يوما، ولكنه كان قد أشرف على السبعين من عمره واعتلت صحته، ثم فارق الحياة بعدها بشهور وهو في أشبيلية لإخماد فتنة فيها، وهكذا انتهت حياة الشاعر بعد أن أضاءت أشعته أرجاء الأندلس من الشرق للغرب وبقية آثاره خالدة من بعده. والقارىء لابن زيدون يلاحظ في شعره افتتانه بالطبيعة فلا تدري أحبه للمرأة جزء من حبه للطبيعة أم حبه للطبيعة جزء من حبه للمرأة. كان ابن زيدون شاعرا في كل شيء، وإن أهم مايميز شعره هو الفن والعاطفة الجياشة، ولهذه الظاهرة الواضحة التي شاعت في شعراء الأندلس بعد ابن زيدون صدىً قويا في شعر الطبيعة عند الأوروبيين، والذي اتجه إليه الأدب الأوربي في القرن التاسع كان معروفا لدى العرب في الأندلس. وقد أشاد الباحثون الغربيون بعبقرية ابن زيدون، فيرى غومس انه أعظم شاعر أنجبته الأندلس، ويقرر ليفي بروفينسال - من أكبر المستشرقين الدارسين للأدب الأندلسي في العصر الحديث - أن ابن زيدون هو أعظم الشعراء الكلاسيكيون في العصر الأندلسي الثاني. ونختم بأبياته إذ يقول : "لوْ أنّني لكَ في الأهواء مختارُ، لَما جَرَتْ بالذي تَشكُوهُ أقدارُ لكِنّها فِتَنٌ، في مِثْلِ غَيْهَبِهَا تَعْمَى البَصائِرُ، إنْ لمْ تَعمَ أبصَارُ فأحسنِ الظَّنّ، لا ترتبْ بعهد فتى تعفُو العهودُ وتبقى منْهُ آثارُ لوْ كانَ يعطى المُنى في الأمرِ يمكنُه لمَا أغبّكَ، يوماً، منهُ زوَارُ فلا يريبنْكَ، في ذكرِ الصّديقِ بهِ، مَنْ ليسَ يَجهلُ أنّ الدّهرَ دَوّارُ". محمودأبوزيد
