
مقال 4 دقائق للقراءة
نسيم الشعر وربيع قرطبة
نسيم الشعر وربيع قرطبة العصر الذهبي للأندلس
نسيم الشعر وربيع قرطبة عُرفت دولة الإسلام في الأندلس، بالخلافة الأموية بعد تولي عبد الرحمن الثالث مقاليد الحكم بعد موت جده الأمير عبد الله، واتخاذه لقب الخليفة الناصر لدين الله، وتنتهي بسقوط آخر أموي في الأندلس، وقيام ابن جهور بالأمر في قرطبة فتبدأ الحقبة المعروفة بعصر ملوك الطوائف. كانت الخلافة الأموية في أوج قوتها، وقد شهدت الأندلس عصرها الذهبي في هذه الفترة التي استمر فيها ربيع حاضرتهم قرطبة طوال حكم الناصر الذي وحَّد ربوع الأندلس تحت إمرته، ثم من بعده ابنه الحكم الثاني الذي لم يتوانى في حفظ هيبة الدولة، على الرغم من كلفه الشديد بالعلوم والكتب وجمعها ودراستها، وتشجيعه للفنون والآداب والفلسفة، فاذدهرت الحياة الأدبية. نهضت الثقافة الأندلسية نهضة عظيمة، فلم يولع خليفة بالكتب كما الحكم الثاني،الذي اشتهر بمكتبته الغنية التي بلغت أربعمائة ألف مجلد. الشعر ديوان العرب منذ الجاهلية، فقد صور جميع مظاهر الحياة الإجتماعية والسياسية في هذا العصر الذهبي، كقول منذر بن سعيد مشيرا لوفود سفارة الروم على الناصر : ترى الناس أفواجا يؤمُّون بابه... وكلهم مابين راجٍ وآمل ،ووصف الجيش الأندلسي وقوته وسرعة حركته كقول إسماعيل بن بدر : وذي لُجب كالبحر عبّ عُبابه.. فضاق به رحب الفلا والنتائف. شبهه بأمواج البحر المتلاطم الذي ملأ السهل حتى ضاق به. ومن التجارب العاطفية التي تعتمد على صدق الشعور ونبل الإحساس وسمو الروح قول ابن فرج صاحب كتاب الحدائق : وطائعة الوصال عدوت عنها.. وما الشيطان فيها بالمطاعِ. بدت في الليل سافرة فباتت دياجي الليل سافرة القناعِ وما من لحظة إلا وفيها إلى فتن القلوب لها دواعِ. وهكذا شاع الشعر بين الأندلسيين شيوعا تغلغل فيه في كافة الحياة العامة، فهو يؤدي تارة وظيفة الرسائل، وأحياناً يحل محل لغة الجدل والمناظرات. كانت فترة الخلافة حافلة بكثير من الشعراء والأدباء في كافة الجوانب، ولكننا سنتوقف عند شاعر من أبرز شعراء فترة الخلافة. ابن عبد ربه : هو أبوعمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، وُلد في قرطبة ونشأبالعاصمة الأندلسية، متلقيا علوم الإسلام والعربية على يد كبار علماء الأندلس آنذاك، ثم أكب بنوع خاص على كتب التاريخ والأدب ودواوين الشعر، فكان من ألمع شعراء فترة الخلافة أيام عبد الرحمن الناصر، وعاش حياة حافلة بالأدب شعراً ونثراً. ويعتبر كتابه العقد الفريد من أهم الكتب الأدبية. واتسم شعره بالبساطة والغنائية. فأكثر شعره تتضح فيه بساطة الفكرة والصورة الشعرية دون محاولة للتعقيد كقوله : لا واسْتِراقِ اللَّحظِ مِنْ عينِ المُحبَّ إلى الحبيبْ يَشكو إليهِ بطَرْفهِ شَكوى أرقَّ منَ النَّسيبْ ما طابَ عيشٌ لم يذُقْ طعمَ الوِصالِ ولا يَطيبْ. أما السمة الثانية في شعره، فهي الغنائية، والتي تتمثل في غلبة الجانب الموسيقي، واتضاح العنصر العاطفي وشيوع الرقة والسلاسة خاصة في الغزل كقوله : الجسمُ في بَلَدٍ وَالرُّوحُ في بَلَدِ يَا وحشَة الرُّوحِ بَلْ يَا غُربَةَ الجَسَدِ إِنْ تَبْكِ عَيْنَاكَ لي يَا مَنْ كلِفْتُ بِهِ مِنْ رَحمَةٍ فَهُما سَهْمانِ في كَبِدي. وأيضاً : نُورٌ تَولَّدَ مِنْ شَمْسٍ وَمِن قَمرِ في طَرْفِهِ قَدَرٌ أَمْضَى مِنَ القَدَرِ أَصلى فُؤادِي بِلا ذنبٍ جَوَى حُرَقٍ لم يُبْقِ مِنْ مُهْجَتي شَيْئاً ولم يذَرِ لا وَالرَّحِيقِ المُصَفَّى مِنْ مَراشِفِهِ وما بِخَدَّيْهِ مِنْ خالٍ وَمِنْ طُرَرِ ما أَنْصَفَ الحُبُّ قَلْبي في حُكومَتِهِ ولا عَفا الشَّوقُ عَنِّي عَفْوَ مُقْتَدِرِ. فهذه السمة مصدر حرارة شعرية له، فهو يقوى ويضعف تبعا لحظِّه من تلك السمة الشعرية الأصيلة. أَعطيتُهُ ما سأَلا حَكَّمْتُهُ لوْ عَدَلا وهَبتُهُ روحي فما أَدري بهِ ما فَعلا قَلبي بهِ في شُغُلٍ لا مَلَّ ذاكَ الشُّغُلا قيَّدهُ الحُبُّ كما قَيَّدَ راعٍ جَملا. وقد لقى أبا الوليد ابن عسال الأندلسي أبا الطيب المتنبي في جامع عمرو بن العاص بمصر، وبعد حديث دار بينهما قال المتنبي : ألا أنشدني لمليح الأندلس _يعني ابن عبد ربه_فأنشد قوله : يا لؤلؤاً يَسْبي العقولَ أَنِيقا وَرَشاً بَتقطيعِ القُلوبِ رَفيقا ما إِنْ رأَيْتُ وَلا سَمْعتُ بِمِثلهِ دُرّاً يعودُ مِنَ الحياءِ عَقيقا وإذا نَظرتَ إِلى محاسنِ وجههِ أبصَرْتَ وجْهَكَ في سَناهُ غَريقا يَا منْ تَقَطعَ خَصْرُهُ مِنْ رقَّةٍ مَا بالُ قَلْبِكَ لا يَكُونُ رَقِيقا. فلما أكمل الأندلسي انشاده، استعاده المتنبي، ثم صفق بيده قائلاً :(يابن عبد ربه، لقد يأتيك العراق حبواً). هذا ابن عبد ربه الشاعر وهو من المحطات اللامعة في الأدب الذي عاش في رحاب الأندلس لثمانية قرون. محمود أبوزيد
