
مقال 4 دقائق للقراءة
روح آمنت فقدحت شرارة الحرية -محمد بلوزداد
ذات أرق .. بحثت عن موسيقى أندلسية تهدىء خاطري .. فتعثرت بقصة حياة قصيرة وملهمة هيجت مدامعي .. وحاصرتني بالأسئلة
بعد منتصف الليل فتحت التلفزيون بحثا عن حفل أندلسي لكنني وقعت على شريط وثائقي يحكي حياة أحد أكثر شهداء الثورة شهرة (سميت بلدية كبيرة باسمه) وأكثرهم تهميشاً (قلة قليلة جداً من تعرف عن تاريخه شيئاً). لست هنا بصدد إعادة كتابة سيرة الرجل، ولا بصدد سرد ما قيل في ذلك الشريط ..أحاول فقط أن أوصل الأثر العميق الذي تركه في نفسي.
تحصل محمد بلوزداد، سليل الأسرة العاصمية المتواضعة، على البكالوريا. ورغم الحظ الذي ابتسم له ولم يلتفت صوب الكثيرين من أقرانه من 'الأنديجان' بالحصول على التعليم والعمل مع مصالح مديرية الشؤون الإسلامية للحكومة العامة، لم يتنكر لأصله ولا لقضيته، فكان يعمل ويناضل في صفوف حزب الشعب الجزائري ويواصل دراسته في الوقت نفسه.
نعم، لقد آمن بالاستقلال في تلك الفترة العصيبة التي دفع اليأس إبّانها بعدد من معاصريه إلى المطالبة بالاندماج في الدولة الفرنسية أو المساواة في الحقوق مع الأقدام السوداء .. بعد أن فشلت كل الثورات التي قامت في مختلف أنحاء الوطن منذ غروب شمس الحرية ذات 5 جويلية 1830.
قد تابعت سيرة الرجل سماعاً فقط، فلم تكن عيناي تتقنان غير ذرف دموع لست أجد لها تفسيراً محدداً.. فقد تكون دموع الفخر والاعتزاز.. دموع الغيرة.. دموع الحنين إلى تلك الروح المميزة أو ربما كانت دموع الحسرة والاستنكار!
لمَ لم يُعرض هذا سابقاً؟ لمَ في هذا الوقت المتأخر من الليل؟
كأنهم يخشون أن نتخذ منه قدوة لنا.. كأنهم يخافون أن ننتبه إلى أن قادة ثورتنا العظيمة لم يكونوا شيوخاً طاعنين في السن، بل كانوا شباباً يافعين، فنستيقظ من غفوة الطفولة التي مُدّدت إلى سن الستين في وطني!
تخيلوا.. حين أسس محمد بلوزداد خلية شباب بلكور -التي كان دورها إعداد المناضلين لمكافحة الاستعمار- كان عمره لا يتعدى السابعة عشرة! وكان في هذه الحقبة مكلفاً بالإعلام، التنسيق، والتكوين. شارك في مظاهرات الثامن من ماي 1945، التي طالب الشعب فيها فرنسا أن تفي بوعدها الذي حنثت به، كاشفة القناع عن وجهها الحقيقي وطبعها الإجرامي، وقدمت 45 ألف روح جزائرية عربوناً لشيطان الخوف، آملة ألا يُذكر اسم الجزائر بعدها أبداً إلا مقترناً بملكية فرنسا المزعومة، وأن يهجر طيف الحرية أرضنا بلا عودة.
لكن ما حصل فعلاً هو أن هجرت الثقةُ بأقوال المستعمرين أكثرَ الجزائريين إيماناً بها.. وسقط مفهوم النضال السياسي من أجل الاستقلال، وسقطت معه دعوات المساواة والاندماج إلى غير رجعة.
نجا بلوزداد من مذابح الثامن من ماي، فأصبح مطارداً من طرف السلطات المحتلة، حاله حال كل الوطنيين والمناضلين من أجل الاستقلال، فالتجأ إلى قسنطينة.
لعل فرنسا اعتقدت أنه هرب صاغراً لينجو بجلده.. لكنها كانت معذورة لأنها لم تختبر هذه النوعية من الرجال؛ فلم ييأس بلوزداد لما ضاق الخناق عليه، بل بحث عن شباب قسنطيني بعزيمة متقدة، فكان أبرزهم الشهيد مصطفى بن بولعيد. وفي ظرف سنتين فقط تمكنوا من إعادة تنظيم هياكل الحزب واسترجاع معظم مراكز الحركة في المنطقة، وأكثر من ذلك، عملوا على توسيع مجال تمثيل الحزب في مناطق أخرى.
كان محمد بلوزداد أول مسؤول للمنظمة السرية شبه العسكرية (OS) وأبرز مؤسسيها، وكانت هذه المنظمة النواة الأولى للكفاح المسلح، وأول خطوة على درب الثورة التحريرية الكبرى.. والتي تميزت عن كل الثورات التي سبقتها ولم تكلل بالانتصار كونها كانت الثورة الجامعة التي شارك فيها كل أبناء الوطن من مختلف مناطقه الشاسعة وبمختلف توجهاتهم الفكرية.
توفي الشهيد قبل أن يتم عقده الثالث، إذ كان مرض السل يرافقه خلسة منذ سنين، فلم ينتبه إليه، أو لم يلتفت له، أو لم يسمح له أن يثنيه عن واجبه المقدس، إلى أن تمكن منه يوم 14 جانفي 1952.
توفي محمد بلوزداد ولم يُكتب له أن يحضر إطلاق الرصاصة الأولى في الفاتح من نوفمبر.. ولم يشهد الاستقلال الذي نحتفل به اليوم على وقع المفرقعات وأغاني الراي، وتغيب عنا تلك الروح التي تكفر بالمستحيل.. ونغفل عن واجبنا في بناء هذا الوطن واستكمال مسار نوفمبر..
لم يكن بلوزداد يحتاج الانتظار أكثر، لم يكن يحتاج عمراً أطول ولا أن يعيش معنا الاستقلال ليؤمن به؛ فلو لم يكن يرى الثورة والاستقلال رأي العين ما استطاع أن يضع قطار الكفاح على السكة الصحيحة ولا أن يعطيه الدفعة الأولى، ولو لم يكن يثق بحب الجزائريين لأرضهم وحريتهم وبذكائهم وقدرتهم على تحدي الصعاب لذبل ومات منسياً أو منتحراً حرقاً أو غرقاً كما يفعل جزائريو 'الاستقلال'.
دموعي لم تكن دموع حسرة على فقدان تلك الروح الجزائرية الحرة، ولا دموع حسرة على وطن نخنقه بغرورنا ونكفنه بأمجاد الماضي ثم ندفنه في قلوبنا ونمضي به إلى المقابر.. بل كانت دموع الفرح؛ فقد اعتبرت الأمر رسالة إلهية جلية المعنى، كانت دموع الثقة والحماس، فجينات بلوزداد.. بن مهيدي.. بن بولعيد والآخرون لا تزال تتناسل فينا وفي أطفالنا.
قد يكون العمر قصيراً أو طويلاً.. قد تحتجب الشمس بسحب حالكة السواد.. قد تهب عليك رياح وأعاصير من كل حدب وصوب.. قد يتفشى في جسدك مرض خبيث.. قد تتعالى أصوات اليائسين من حولك: 'مستحيل.. الله غالب.. واش يدير الميت في يد غسالو'.. لكنك لا تزال بخير ما دام حب الوطن ينبض في عروقك.. لا يزال هناك أمل ما دمت مؤمناً بأن غداً سيكون أفضل إن قمت بواجبك كاملاً.. فاعمل رغم الظلام.. بضع خطوات تفصلك عن نور الشمس الساطع."
