
مقال دقيقتان للقراءة
ماذا تنتظر القردة؟
بين قسوة الاستبداد ورموز الحرية التائهة.. قراءة في عوالم ياسمينة خضرة السياسية والأدبية الساحرة
ماذا ينتظر القرد ليتحول إنساناً؟!
رواية سياسية بوليسية جريئة جداً للروائي الجزائري محمد مولسهول المعروف باسم "ياسمينة خضرة". أشعر بواجب الحديث عنها والتفكير فيها، ولأول مرة أقرر أن أكتب قراءة مطولة في رواية ما، بل وأكثر: لو أني درست الترجمة لنقلتها إلى العربية مهما حدث.
- ملاحظة: على من ينوي قراءة الرواية بنفسه أن يتوقف هنا ولا يكمل حتى لا يحرقها.
- نجمة الصادق: تبدأ الرواية بالعثور على جثة عذراء مزق صدرها في غابة باينام، حفيدة أحد أرباب الجزائر، الذي يهدي نفسه كل سنة عذراء جميلة بمناسبة عيد ميلاده.
- إيحاءات: أعتقد أن "نجمة" هنا ترمز للحرية، فالحرية وإن قتلت لا تموت، تولد دوماً من جديد؛ الحرية جميلة، طاهرة، وعصية على التدنيس. صلة القرابة بين نجمة والقاتل إشارة إلى أنه اعتاد قتل كل الحريات، حتى قتل حريته خطأً فقتل بها. "نجمة"... الاسم يحيلني على رواية كاتب ياسين التي لم أقرأها بعد.
- الحاج حمر العين: أحد أرباب الجزائر، شيخ هرم، رمته مصادفات الحياة في صفوف الثورة، بزغ نجمه بسبب خبثه وخياناته، يدير الجزائر باسم الشرعية الثورية من سلسلة قصور حصل عليها بالدينار الرمزي. لأول وهلة تشعر أن خضرة يشير بإصبعه إلى شخص بوتفليقة، إلا أنه يستدرك لاحقاً ويمنح حمر العين هذا منصب وزير بدلاً من رئيس.
- الدايم: مجرد فأر مرتعب من "الربوبة"،يهابه الجميع. يسلط الكاتب الضوء على المستنقع الذي يسمى "إعلاماً وطنياً" ويشرحه تشريحاً صادماً.
- نورة: شرطية نزيهة تدفع حياتها ثمناً لتطبيق العدالة في قضية مقتل نجمة.
- قرد: مثال للموظف عديم الضمير، عديم المسؤولية، الذي يحصل على ما لا يحق له بطرق ملتوية. الشاب المتخلف المغرور بذكورته وبها فقط. بقدر ما كرهت شخصية "قرد"، بقدر ما زلزلني رفضه المشاركة في الصمت على قتل ربة عمله "نورة" التي يكرهها جداً.
- إيحاء: حتى أولئك الغارقون في السواد، يمكن أن تصحو ضمائرهم يوماً ما.
- زين: شرطي ذكي ونزيه، يصاب بصدمة نفسية وعصبية إثر حاجز مزيف خلال التسعينات فيودع مصحاً عقليا. يستعيد عقله لكنه يخسر فحولته. "زين" المواطن البسيط يريد مساعدة "نورة" لكنه يخاف العواقب.
- سيد أحمد: صحفي لامع، يغتال الإرهاب زوجته فيجد نفسه في نفس المصح العقلي مع "زين". ستستمر صداقتهما بعد استرداد العقل. يعتزل "سيد أحمد" الدنيا في كوخ على أحد الشواطئ، وهو صاحب السؤال: "ماذا ينتظر القرد ليصبح إنساناً؟! ". يحرق نفسه ذات يوم فيحظى بجنازة شعبية تهز كيان زين وتسقط جبنه إلى الأبد.
- إيحاء: لابد أن يحترق شرفاء الإعلام لينيروا بصيرة البسطاء.
- الخاتمة: تنتهي الرواية بالحاج حمر العين جاثياً على ركبتيه، محاولاً تبرير تسلطه وجوره بتملق المحيطين به وذلهم، وبخوف الشرفاء وطاعتهم العمياء لمسؤولين يفتقدون النزاهة والكفاءة، بطريقة رائعة.
كنت قد استبقت هذه الرواية باكتشاف كتاب سياسي قصير يتشاركان نفس الأفكار تقريباً، بدا الأمر وكأني قرأت كتاباً تمت ترجمته لرواية؛ ففهمت بعمق ما قال جبران خليل جبران عن أهمية الروايات والقصص في تغيير واقع الشعوب.
4 مشاهدة
