
مقال 9 دقائق للقراءة
تأملات وتحليل للقصيدة المائية: يسيل صوتك لحنا…
في رحلة البحث عن النصوص المائية والزهورية وجدت هذا الماء المتدفق البديع مع صوت محروس الهاجري الأكثر مائية! هنا تحليل وتأمل لهما
تدوينة منقولة من منصة كتابة.
قبل البدء:

"من هذا الماء
ابتدأ كل شئ:
الحياة
الموت
في هذا الماء
رأيت ما رأيت
حتى ارتويت
أنا الآن أغرق
و ما أزال أبعث برسائلي من تحت الماء
إلى البحيرة التي سحرت نرسيس
و بددت جسدي
في قعر أحلامه المبتذلة."
– من هذا الماء - سعيد العساسي
**
في رحلة البحث عن النصوص المائية وبردها وبللها والزهورية وعطرها وغوايتها وقعت صدفة على هذه القصيدة البديعة للشاعر البحريني علوي الهاشمي والتي غناها صاحب الصوت المائي محروس الهاجري.
وجدت ان الماء فيها متدفق من النص والأداء والكلمات ولا أزال اعود لها كل فترة فقررت ان اتفرد بها تحليلا وتأملا لكي أخلد هذه المائية بعطر الزهر الجميل.
السبب الآخر لاحظت ان هذه القصيدة لا يوجد حولها مقالات تأملية وأردت تجربة شيء مختلف وبنفس الوقت ان أحتفي تقديرا لهذا الفن العظيم من منظور لعله يكون مختلف.
**
تعريف لكل اسم للسياق:

الشاعر علوي الهاشمي - بحسب موسوعة ويكيبيديا:
السيّد علوي هاشم حسين الهاشمي (سبتمبر 1948) شاعر وأستاذ جامعي بحريني.
ولد في المنامة في عائلة كبيرة حسينة هاشمية ونشأ بها وحصل على شهادة دبلوم التجارة من جامعة لندن في 1968 وإجازة في اللغة العربية من جامعة بيروت، 1972 وماجستير في الأدب العربي من جامعة القاهرة 1978، ودكتوراه في الأدب العربي من جامعة تونس عام 1986.
عمل أستاذًا في كلية الآداب في جامعة البحرين وحرّر الصحفة الثقافية في جريدة أخبار الخليج وحقيبة الأدب في مجلة البحرين وله دواوين شعرية ومؤلفات ودراسات أدبية ونشرت أعماله الشعرية الكاملة في 2012.
دواوينه الشعرية:
من أين يجي الحزن؟، 1972
العصافير وظل الشجرة، 1978
محطّات للتعب، 1988
الأعمال الكاملة علوي الهاشمي، 2021.
**

الفنان محروس الهاجري - بحسب الصحف المحلية:
محروس الهاجري فنان ومطرب سعودي من الأحساء يُعد من أبرز أصوات الفن الشعبي الحساوي واشتهر خصوصا بأغنية «غدار أعرفك يا بحر» التي غناها من كلمات الشاعر جواد الشيخ.
عرف في الأوساط الفنية السعودية والخليجية وارتبط اسمه بجيل من فناني الأحساء الذين نقلوا لهجة المنطقة وبيئتها البحرية إلى الأغنية وقد وصفته صحيفة الرياض بأنه «المغني العتيد» الذي توارى عن الأنظار رغم أن أعماله بقيت محفوظة في ذاكرة جمهوره.
شارك في تجارب غنائية سعودية مبكرة ومنها تجربة تلحين القصيدة الحديثة التي تناولتها صحيفة الوطن حيث ذكر حضوره في جلسات تسجيل بالقاهرة عام 1988.
يتميز بصوته الحساوي الأصيل وأدائه العاطفي القريب من بيئة الأحساء والبحر والغربة، إذ يُنسب إليه نقل «المعاناة وصدقها» في أغانيه، ولا سيما في «غدار أعرفك يا بحر».
كما يُذكر في الصحافة السعودية بوصفه «رمزًا فنيًا» من رموز الأحساء و«قامة إبداعية» في الذاكرة الخليجية، مع حضور فني امتد إلى شرائح واسعة في الوطن العربي.
المصادر:
**

الفنان المسرحي والملحن عبدالرحمن الحمد - من مصادر متعددة:
عبدالرحمن الحمد فنان ومسرحي وملحن أحسائي ويوصف بأنه من المؤسسين الأوائل لجمعية الثقافة والفنون بالأحساء بعد أن كان ضمن مجموعة تأسست عام 1971 لنادي الفنون الشعبية الذي تحول لاحقا إلى جمعية الثقافة والفنون.
عمله الفني:
- كاتب مسرحي: برز في الكتابة المسرحية وشارك في تأسيس وتنمية الحركة المسرحية في الأحساء التي تعد من أقدم بيئات المسرح السعودي.
- ملحن: اشتهر بتلحين أغنية «غدار أعرفك يا بحر» التي غناها محروس الهاجري من كلمات جواد الشيخ ضمن ثلاثي فني شكل في مطلع السبعينيات والثمانينيات.
- كاشف مواهب: ذكرت صحيفة الرياض أنه كان معروفا بكشف المواهب المسرحية ودعمها إلى جانب عمله في الكتابة والتلحين.
- ممثل: ظهر في مسلسل «مجاديف الأمل» التراثي السعودي عام 2005، الذي وثق بيئة الأحساء
المصادر:
**
نص القصيدة:
يسيلُ صوتكِ لحنا
راعشا نَمَلا عبر المسافة
يأتيني يأتيني بلا ميعاد
ينثال بين حنايا القلبِ يُدفِئنُي
يَصبُ في شفتيَ
الشِعَرَ والإنشاد
يُعطِرُ الليلَ من حولي ويسرقني
على جناحينَ من غفوٍ ومن إسهاد
فلستُ أدري إلى أي الدُنى سفري
ولستُ أدري إلى أي المنى أنقاد
ياعُرسَ قلبي أفيضي بالحديث فما
صمتي سِوى جريانِ النُسِغِ في الأعواد
ترقرقي يا نوافيرِ الشذى في دمي
قلبي قضى ضمًا يا نبعتي أو كاد
ترقرقي وأزرعي الصحراء أوديةً خضراء
يانعةً الأغصانِ والأوراق
أصوتكِ الهامسُ المائي يطربني
يطير بي نحو أفقٍ ساحرِ الأبعاد
أعيشُ أحلمُ باللقيا وروعتُها
متى وأين وكيف أشتقتُ للميعادَ
متى أراكِ فأروي من شذاكِ دمي
يا عيد قلبي متى يا أطيبَ الأعيادَ
**
فيديو إلقاء الشاعر علوي الهاشمي للقصيدة ألقاها في ندوة (االأسلوبنيوية في الشعر السعودي الحديث حسن السبع نموذجا) عبر منتدى الثلاثاء الثقافي:
**
تسجيل غناء محروس الهاجري للقصيدة:
**
تنويه قبل التحليل:
* القصيدة لا تكتمل إلا بالأغنية كلاهما يقدم بعد مختلف وعمق تأويلي.

التحليل والتأملات:
“يسيلُ صوتكِ لحنا
راعشا نَمَلا عبر المسافة“
إفتتاحية مباشرة بالتعبير عن السيلان للصوت حيث المعتاد عنه انه صدى ومدى مكاني او له صدى ممتد او صارخ او حاد لكن قرر هنا الشاعر ان يجعله سيال منهمر من البداية كتفجر النبع.
هل اكتفى بالسيولة؟ كلا بل هو الصوت "الراعش" المنتشي المرتبك وحالته "نَمَلا" لتأكيد هذا الذوبان والضعف والإرتباكة لكن مايجعل الدلالة أعمق وأبعد واكثر مائية وشفافيةً:
"عبر المسافة"
الصوت هنا مسافات والشوق يمتد معه وكأنها رحلة مائية في هذا الحضور الوجداني!
"يأتيني يأتيني بلا ميعاد
ينثال بين حنايا القلبِ يُدفِئنُي"
هنا يؤكد ويتغنى بالقدوم "يأتيني يأتيني" بلا ميعاد كالماء لا يعرف مواقيت البشر ولا زمنهم فله منطقه وميعاده يأتي كيفما شاء تارة مطرا واخرى تفجر الأرض فهذه قصة الماء المنهمر.
اختار الشاعر هنا مفردة "ينثال" دون غيرها للدلالة على الإنهمار فهو يأتي من كل صوب وحدب ويتجمع ولكن كيف يكون للماء الشفاف ان يتكثف هكذا؟ انه الشوق المرتعش!
لاحظ كيف يعبر عن سيران هذا الماء في كل هذه الطرق الطينية وهذه الأرض الجدباء عطشى وشوقا:
"ينثال بين حنايا القلبِ" وهنا يأتي قلب الدلالة فهذا الصوت المرتعش المرتبك المائي "يُدفِئنُي".
هنا دلالة على الدفء قبل ان ينثال وبعده فياله من شوق كبير وعظيم هنا احتار هل هي قصة الماء او النهر ام المطر؟ ربما هي قصة الغرق!
"يَصبُ في شفتيَ
الشِعَرَ والإنشاد"
هنا البرهان المائي فهو يصب في شفتيه قبل فمه كالطير عندما يحلق لجلب الغذاء لصغاره ليسد جوعهم ويروي حيرتهم وخوفهم وهنا الشفاه قبل الفم التي قد جفت حائرة وذائبه امام هذا الإقبال المائي المتدفق:
" الشِعَرَ والإنشاد".
هنا يأتي تأكيد الإرتواء والتلذذ بهذا الماء العذب البارد فيرويه بالشِعر والطرب والإنشاد الذي يصدح بصوته دون ايقاع خارجي حتى يرويه قبل ان ينثال بين حنايا القلب والوجدان!.
"يُعطِرُ الليلَ من حولي ويسرقني
على جناحينَ من غفوٍ ومن إسهاد"
هنا قلب دلالي فالماء أصبح قصة الزهرة التي تحولت للعطر وأي عطر؟ عطر الليل المظلم المليء بالرغبات وتسلل الغواية والقصص والأحاديث المؤجلة.
"على جناحينَ" رغم غواية العطر وحدة الأشواق إلا انه يطير به ناعما كغيمة تهدهد البال وقلق الإرتباك والأشواق "من غفوٍ ومن إسهاد".
لا شيء أكثر عذوبة من التهويد قبل النوم بشِعرٍ وإنشاد يبعث على السلام ويعيده إلى حالة الطفولة الأولى.
"فلستُ أدري إلى أي الدُنى سفري
ولستُ أدري إلى أي المنى أنقاد"
هنا تأتي الحيرة اللذيذة وتبدأ لعبة الأشواق وغوايتها:
فبعد ان طار بهذا الجناحين لا يدري إلى اي "الدُنى سفري" لا يعلم أين يطير به هذا الجناحين
ولا يدري أيضا "إلى أي المنى أنقاد" فهو مستسلم لهذا الطيران الوديع; حيرة اللذة وغياب استيعابها.
"ياعُرسَ قلبي أفيضي بالحديث فما
صمتي سِوى جريانِ النُسِغِ في الأعواد"
هنا يعود اليقين واستيعاب لحظتها وتكتمل الأفراح "عرس القلب" لا تكتمل الأفراح إلا بهذا العرس الكوني فبعد ان نرتوي بالماء ويفيض بنا ويؤكد لنا قصة الحياة وإمكاناتها.
هي لم تشتكي صمته لكنه يطمئنها "صمتي سِوى جريانِ النُسِغِ في الأعواد" أنظري إلى صنيعكِ بي كيف أرتويت ولم اكتفي وقد وقفت أمامكِ حائرا أيتها المياه العظيمة.
الأعواد هنا هي التي تنتظر ميعاد المطر قد طال صبرها تصلي كل يوم للمطر للماء لكي يرويها وتثمر الأشجار.
"ترقرقي يا نوافيرِ الشذى في دمي
قلبي قضى ضمًا يا نبعتي أو كاد"
في النعيم المرء لا يكتفي فيطلب المزيد تلذذا "ترقرقي" أيَطلُب المرء الرقة أكثر من الماء؟ أيُطْلب من الماء ان يكون اكثر مائية؟!
"يا نوافيرِ الشذى" فهو يطلب ان تفور النوافير وان تتفجر المياه اكثر وان تعود السيول للجريان فلا تكتمل قصة مدينتا لا صحرائها ولا تنتعش خيامها إلا عندما تجري المياه وتبدأ موسيقى الحياة "في دمي".
"قلبي قضى ضمًا" يطلب المدد والإرتواء والسقاية ويشتكي الجفاء والأشواق الماضية ومواسم الأشواق.
"يا نبعتي أو كاد" اعتذر ولكن (آه!) عندما تتحول الزهرة إلى (نبع) عندما تنادي المحبوب كما يجب عندما ترويك الزهرة وعندما يُزهر النبع!
هنا حبكة القصة المائية هنا موطأ أرض القصيدة هنا الخشوع الشِعري تماما!
نستطيع تفريد المقالات فقط لهذا الشطر البديع كأنما صنع الشاعر دون قصد عطرا دون زجاجة; فواحا دون إطار!
"ترقرقي وأزرعي الصحراء أوديةً خضراء
يانعةً الأغصانِ والأوراق"
أمطري وفجري أكثر "وأزرعي الصحراء" أرضك هذه كلها لكِ من هي الأرض دونكِ كيف لها ان تكون قصة حياة بلا مائكِ أزرعيها "أوديةً خضراء" ولونيها وجمليها "يانعةً الأغصانِ والأوراق" يالهذه الأوراق التي تصلي مواسما تنتظركِ!
"أصوتكِ الهامسُ المائي يطربني
يطير بي نحو أفقٍ ساحرِ الأبعاد"
كيف لهذا الصوت الراعش النَمِل أن يكون "هامسا مائيا" يُطرب هذا الماء المنصتين لموسيقاه وقصائده.
لم تكن لتكون قصائد الهايكو بلا ماء وكيف لأشواق "نجد" ان تتلون بلا ماء أمطارها!
الصوت المائي يا قصة الماء يا نبعها "يطير بي" حلق أكثر وأبعد لسماءٍ أبرد "نحو أفقٍ" هي قصتنا هي سرديتنا (النبع وزهرته) "ساحرِ الأبعاد" لوحات فنية متطايرة بلا إطار.
"أعيشُ أحلمُ باللقيا وروعتُها
متى وأين وكيف أشتقتُ للميعادَ"
يؤكد هنا ان الحياة الحقة ليست إلا حلما لا يمكن ان تكون إلا كذلك "أحلمُ باللقيا وروعتُها" كيف للأرض بعد تجف ويصيبه القحط أن تحلم شوقا ولذة وعذوبة رغم غياب الماء؟!
"متى وأين وكيف" فعلا كيف من أين لنا هذه الكلمات وقد جفت منابعنا؟!
"أشتقتُ للميعادَ" الإشتياق للحظة رغم اننا نملكها الآن هو حبكة الحب هو غواية الأشواق بل هي ماتجعل القصائد والأشعار تمطر على الشاعر فيصب نبعا ونهرا بكلماته!.
"متى أراكِ فأروي من شذاكِ دمي
يا عيد قلبي متى يا أطيبَ الأعيادَ"
هنا شِعرية اللحظة لا تتوب "متى أراكِ" وهي أمامك هل ياترى لأنها مائية شفافة؟ ام ان برد الماء لم يوقظنا بعد؟!
"يا عيد قلبي" بعد هذا العرس والإحتفال الكوني في غاباتٍ وصحراء أراضينا "متى" هنا تشبه الوقفة الغنائية لكي يلحنا بعدها "يا أطيبَ الأعيادَ".
أنتي عيد فالمطر والماء هو احتفاء وعيد يأتي في غير ميعاده بل هو لحظة الأعياد كلها بل ان الأعياد البشرية هي محاكاة لهذه القصة المائية.
- الخاتمة تليق بموسيقى مائية من الثنائي الدنماركي الرائع Svaneborg Kardyb:
