
مقال 14 دقيقة للقراءة
صناعة التعلّق بالحرمان من أروقة الاستخبارات إلى دهاليز القلوب
أحبّ هذا الإنسان أم أحبّ انتظاره؟ سؤال يقودنا من تجربة سكنر إلى خفايا العلاقات، ويكشف كيف يُصنع التعلّق بالحرمان
ملاحظة مهمة: /في هذا المقال رحلة طويلة من أروقة الاستخبارات إلى القلوب فخذ لها وقتًا يليق بها وإن ضاق وقتك فاحفظه عندك وعُد إليه حين يخلو بالك/
منذ أن وُجد الإنسان وجدت فيه حاجتان لا تفارقانه أن يكون مقبولًا عند من يحب وألّا يفقد من يحب وهاتان الحاجتان أقدم من العلوم كلها وأعمق من المنطق؛ فقبل أن يتعلم الطفل الكلام كان يعرف كيف يبكي إذا غابت أمه وكيف يطمئن إذا عادت. ومن هنا كان القلب أيسر ما يُؤتى منه الإنسان لأنه الباب الذي لا يملك عليه حارسًا. وقد انتبه إلى هذا الباب قديمًا من أرادوا استمالة الناس وأتقنوه رجال الاستخبارات حين حوّلوه إلى صنعة لها قواعد وأطوار. فالعميل المحترف لا يقرع عقل من يريد استمالته بالحجة وإنما يطرق حاجته بالصبر. يُدفئه حينًا ويجفوه حينًا ويقترب ثم يبتعد ويمنح ثم يمنع حتى يصير الدفء في نفس الآخر أمنية يطلبها والجفاء خوفًا يتجنبه. وهكذا يتعلق الإنسان بمن يتلاعب به ويحسب هذا التعلق حبًّا أو وفاءً أو قدرًا. والعجيب أن العلاقات العاطفية حين تختل تدور أحيانًا بالأدوات نفسها ولا يكون صاحبها جاسوسًا ولا خبيرًا في علم النفس وقد يفعلها المرء بالفطرة أو عن خوف من القرب أو عن نقص في نفسه يريد أن يسدّه بتعلق الآخرين به أو بدافع الحيلة والهوى. فالأداة واحدة والاختلاف في النية والمقصد وأثرها في القلب المتلقّي متقارب في الحالين. ومن هذا الباب يدخل موضوعنا لهذا اليوم سنسأل أولًا عن الآلية: لماذا يتعلق الإنسان بمن يعطيه حينًا ويمنعه حينًا أكثر من تعلقه بمن يعطيه دائمًا؟ ثم نتتبع الأساليب واحدًا واحدًا: الفتات العاطفي والقصف العاطفي والإضاءة الغازية والمعاملة الصامتة وبعد ذلك نُسقطها على العلاقات فنرى كيف تبدو في الواقع وكيف يعرفها المرء إذا وقع فيها وكيف ينجو منها. فإن شئتم نبدأ من الأصل النفسي لهذا التعلق فهو المفتاح الذي تُفهم به بقية الأبواب.
🚪الباب الأول: الأصل النفسي للتعلق بالمتقلّب لنبدأ بتجربة شهيرة. وضع عالم النفس بي. إف. سكنر فئرانًا في صناديق فيها رافعة وجرّب معها نظامين. في الأول: كلما ضغط الفأر الرافعة نزل له طعام. وفي الثاني: ينزل الطعام أحيانًا فقط، بلا نمط يمكن توقعه. فكانت النتيجة مدهشة.! حين قُطع الطعام نهائيًا عن المجموعتين تخلّت الفئران في النظام الأول عن الرافعة سريعًا لأنها فهمت أن الأمر انتهى. أما فئران النظام الثاني فواصلت الضغط مئات المرات وبعضها كاد يُنهك نفسه. لقد تعلمت أن الحرمان جزء من اللعبة وأن المكافأة قد تأتي في الضغطة التالية. وهذا هو التعزيز المتقطع السر فيه أن الدماغ لا يفرز الدوبامين عند الحصول على المكافأة فحسب بل عند ترقبها فالغموض يُبقي الدماغ في حالة استنفار وتعلّق والمكافأة المضمونة تُشبع ثم تُنسى أما غير المضمونة فتُطارَد ولهذا تُصمَّم آلات القمار على هذا النحو بالضبط. والآن انقل الصورة إلى القلب الرافعة هي الرسالة التي تنتظرها والطعام هو الكلمة الدافئة فإذا كان أحدهم يمنحك الاهتمام يومًا ويحجبه أيامًا فإن عقلك لا يقرأ ذلك على أنه "لا يهتم بي" بل على أنه "قد يهتم في الرسالة القادمة" فتستمر في الانتظار وتؤوّل الصمت وتبحث عن أسباب تبرّر الغياب وكلما طال الحرمان ازدادت قيمة الدفء حين يعود. ومن هنا نفهم لماذا يتعلق بعضنا بمن يؤذيه أكثر مما يتعلق بمن يُحسن إليه ولماذا يبدو الاستقرار أحيانًا "مملًا" لمن تعوّد على التقلب. فليس الأمر ضعف شخصية كما يظن البعض بل هو آلية عصبية تعمل في أكثر الناس. وهنا نقطة جوهرية إدراك هذه الآلية هو أول خطوة للتحرر منها فمن عرف أن تعلقه مصنوع بالترقب لا بالقيمة الحقيقية للشخص صار قادرًا على أن يسأل: هل أحب هذا الإنسان، أم أحب انتظاره؟
🚪الباب الثاني: الفتات العاطفي في صورته العملية أصل التسمية من نثر الفتات أخذ المصطلح: من أراد أن تتبعه طريدة لا يُطعمها وإنما ينثر لها كسرة بعد كسرة فتمضي خلفه طمعًا في الوليمة التي لا تأتي. وهكذا الفتات العاطفي: إشارات صغيرة من الاهتمام تكفي لإبقاء الأمل حيًّا ولا تكفي لبناء علاقة كيف يبدو في الواقع؟ رسالة صباحية بعد أسبوع من الغياب ثم اختفاء ؛إعجاب بصورتك أو تعليق عابر يوحي بأنه يراك ؛كلمة دافئة من قبيل "افتقدتك" لكن لا يتبعها لقاء ولا اتصال ولا خطوة. وعدٌ مبهم "سنلتقي قريبًا" و"قريبًا" هذه لا يأتي أجلها أبدًا. وحين تطلب الوضوح يجيبك بغموض أو بمزحة أو بالانسحاب! ما الذي يميّزه عن التقصير العادي؟ الانشغال حقيقي في حياة الجميع لكن الفتات له سمات تفضحه: -الاهتمام يظهر حين يحتاج هو ويغيب حين تحتاج أنت. -يقترب كلما شعر أنك ابتعدت ويبتعد كلما اقتربت. -لا يرفضك صراحة ولا يقبلك صراحة فيبقيك في المنطقة الرمادية. كل ما يقدّمه كلام وقليل منه فعل! لماذا يفعل الناس ذلك؟ ليس الدافع دائمًا خبثًا بعضهم يحب أن يطمئن إلى أن بابك مفتوح له ويكره أن يخسرك لكنه لا يريد أن يلتزم بك وبعضهم يسدّ بانتباهك فراغًا في نفسه وبعضهم خائف من القرب لا من الشخص وقلّة منهم تتعمد التلاعب. غير أن الأثر في قلب المتلقّي واحد في الحالات كلها: انتظار، وتأويل، وشك في النفس. ماذا يفعل الفتات بالقلب؟ يدخلك في حلقة: ترسل، فتنتظر، فتؤوّل الصمت، فتلوم نفسك، فتتودد أكثر وهنا أخطر ما فيه: أنك تبدأ بتقديم الأعذار نيابةً عنه وتبني في خيالك علاقة لا وجود لها إلا في رأسك ومع الوقت يتآكل تقديرك لذاتك فتظن أن القصور فيك وأنك لو كنت أجمل أو أذكى أو أصبر لنلت الوليمة كاملة.! والحقيقة التي يغفل عنها المتعلّق أنه من أراد إنسانًا بصدق لم يُبقِه معلّقًا فالرغبة الحقيقية تُترجم إلى وضوح وحضور وخطوات وأما من يكتفي بالفتات فهو يقول لك بلسان الحال ما يعجز عن قوله بلسان المقال: "أريدك قريبًا، لكن ليس معي"!
🚪الباب الثالث: القصف العاطفي وأصل المصطلح إن كان الفتات يُطعمك قليلًا ليُبقيك جائعًا فالقصف العاطفي يُطعمك حتى التخمة في البداية ثم يسحب المائدة وهو إغراقٌ سريع بالمديح والاهتمام والوعود يُطلق على صاحبه قصفًا لأنه يأتي كالسيل لا كالقطرة وأول من استعمل التعبير وصف به أساليب بعض الجماعات في استقطاب أتباعها الجدد ثم انتقل إلى علم النفس العلائقي. كيف يبدو في الواقع؟ اتصال متواصل من الصباح إلى الليل ورسائل لا تنقطع ومديح مبالغ فيه "لم ألقَ مثلك قط" أو "أنت الإنسان الذي انتظرته عمري" إعلان للحب في الأسابيع الأولى وحديث عن الزواج والمستقبل قبل أن تتعارفا حقًّا و هدايا ومفاجآت وتفرّغ تام وإلحاحٌ على أن تكون القصة أسرع مما يحتمل الواقع "أحسّ أنني أعرفك منذ سنين"! لماذا ينجح؟ لأنه يلامس أعمق حاجة فينا: أن نُرى ونُحَب كما نحن فمن عاش طويلًا في فراغ أو خذلان ثم جاءه من يقول له كل ما اشتهى سماعه ذابت مقاومته والعقل في تلك اللحظة مخدَّر بفرح الدوبامين فلا يسأل: هل هذا ممكن؟ ومن أين لهذا الإنسان أن يعرفني حق المعرفة في أسبوعين؟ ما الذي يحدث بعد ذلك؟ هنا موضع الصنعة بعد أن يرتفع سقف التوقع وتتعلق الروح يبدأ الدفء بالانسحاب شيئًا فشيئًا: ردود أبطأ، واهتمام أقل، ونقد خفيف بعد المديح. فيعود المقصوف إلى استدعاء تلك الأيام الأولى ويظن أنه أخطأ في شيء فيجتهد في استرجاع ما كان وهكذا يتحول القصف إلى أساس للتعزيز المتقطع الذي مرّ بنا في الباب الأول و ذكرى الوفرة تُبقيه متعلقًا بقطرات الحاضر. كيف نفرّق بينه وبين الحب الصادق؟ ليس كل اندفاع قصفًا؛ فقد يندفع الصادق من فرط عاطفته والفارق في أمور: -الإيقاع: الحب الصادق ينمو بتدرج والقصف يقفز. -التركيز: الصادق يهتم بك كما أنت والقاصف يهتم بصورة مثالية رسمها لك. -احترام الحدود: الصادق يقبل أن تبطئ الوتيرة والقاصف يغضب أو يُظهر الجرح إذا طلبت مهلة. -الثبات: الصادق يبقى دافئًا بعد أن تهدأ العاصفة والقاصف يتغير حين يطمئن لتعلقك. الحقيقة التي ينبغي أن تُحفظ هو أن الحب الذي يعرف طريقه لا يستعجل لأنه واثق أن الأيام ستشهد له أما الذي يريد أن يأخذ قلبك قبل أن تعرفه فإنما يخشى أن تعرفه فتتركه.
🚪الباب الرابع: الإضاءة الغازية المصطلح أُخذ الاسم من مسرحية بريطانية عنوانها "ضوء الغاز /Gas Light/" عُرضت عام 1938 ثم اشتهرت بفيلمها الأمريكي عام 1944 وفيها زوجٌ يعبث بمصابيح الغاز في البيت فيخفت ضوؤها فإذا ذكرت زوجته ذلك أنكر وقال إنها تتوهم ولا يزال يفعل ذلك حتى تبدأ بالشك في بصرها وذاكرتها وعقلها ومن هنا صار المصطلح يدل على التلاعب الذي يزعزع ثقة الإنسان بإدراكه نفسه! الفرق بينها وبين ما سبق الفتات والقصف يعملان على عاطفتك يعلّقانك بالرغبة أو بالخوف من الفقد أما الإضاءة الغازية فتعمل على مرجعيتك الداخلية و على ثقتك بأن ما رأيته رأيته وما سمعته سمعته وما شعرت به حقيقي فإذا سقطت هذه الثقة سلّم الإنسان الحكم لغيره وصار المتلاعِب هو من يقرر له ما الواقع! كيف تبدو في الواقع؟ -الإنكار الصريح: "لم أقل ذلك قط" وأنت تذكر الكلام بحروفه. -التقليل: "أنت تبالغ" أو "الأمر لا يستحق" أو "أنت حساس أكثر من اللازم" -قلب الأدوار: تبدأ بالشكوى فتنتهي بالاعتذار وقد صار المخطئ هو المظلوم. -التشكيك في الذاكرة: "أنت دائمًا تنسى" أو "أنت تتخيل أشياء لم تحدث" -التشكيك في الصحة النفسية: "أنت متوتر" و "أنت تحتاج إلى علاج" وهي أشد صورها قسوة. -استدعاء الآخرين: "كل من عرفك قال إنك صعب" فيعزلك عن سندك ويُظهر رأيه كإجماع. • كيف تعمل في الاستخبارات؟ استُخدمت أساليب مشابهة في الاستجواب وفي إدارة العملاء: تغيير الروايات، وإنكار الوقائع، وخلق بيئة لا يعرف فيها الشخص ما الثابت وما المتغير فإذا فقد الإنسان مرساته صار أقرب إلى القبول بأي رواية تُقدَّم له وأيسر قيادة. ماذا تفعل بالقلب؟ تبدأ بتساؤل بريء: "هل أخطأت؟" ثم تتحول إلى مراجعة دائمة لكل ما تقوله وتفعله ثم إلى اعتذار عن أمور لا ذنب لك فيها ثم إلى قلق وتردد في أبسط القرارات ويصل بعضهم إلى مرحلة يقول فيها: "لم أعد أعرف نفسي"! وهنا تتم الصنعة: إنسان فقد ثقته بعقله فصار يحتاج إلى من يخبره بالحقيقة وهنا تنبيه ضروري ليس كل خلاف في الذاكرة إضاءة غازية؛ فالناس يختلفون في تفاصيل ما جرى وتخطئ الذاكرة عند الجميع والمعيار هو النمط هل يتكرر الإنكار؟ وهل ينتهي كل خلاف بأن تشك أنت في نفسك؟ وهل يُقابل شعورك بالاستخفاف دائمًا؟ هنا يكون الأمر أكثر من اختلاف! كيف يحمي المرء نفسه؟ -التدوين: احتفظ بما يمكن توثيقه من وقائع ومحادثات فالمكتوب يُسند الذاكرة حين تهتز. -الاستئناس برأي موثوق: صديق صادق أو قريب يعيد إليك توازنك دون أن يشارك في الصنعة. -الثقة بالشعور: إن ظللت تشعر بالارتباك والذنب بعد كل حوار معه ففي هذا الشعور معلومة تستحق الإصغاء. الحقيقة التي ينبغي أن تُحفظ هي أن من من أحبك حقًّا لا يحتاج إلى أن يُقنعك بأنك مجنون كي يرتاح بل يُصغي إلى ما رأيت ولو خالفه فالعلاقة التي لا تتسع لروايتك عن الواقع لا تتسع لك.
🚪الباب الخامس: المعاملة الصامتة أوالصمت العقابي هناك تمييز لازم قبل البدء يجمع الناس تحت اسم الصمت أمرين مختلفين والخلط بينهما يظلم الناس. الأول الانسحاب المؤقت: أن ينغلق المرء أمام حوار محتدم لأنه أُغرق بالانفعال ولا يقوى على الاستمرار. والثاني المعاملة الصامتة: أن يقطع الكلام عمدًا ليعاقب الآخر ويُخضعه فالأول عجزٌ عن التعبير في لحظة ضغط والثاني سلاح غير أن الأثر في المتلقّي متقارب ولذلك نجمعهما هنا. و أصل الفكرة الإنسان كائن اجتماعي بنيةً ووجودًا وقد أظهرت دراسات علم النفس الاجتماعي أن التجاهل والإقصاء يُنشّطان في الدماغ مناطق قريبة من تلك التي يُنشّطها الألم الجسدي فالتجاهل ليس "لا شيء" بل جرحٌ حقيقي يُحدثه الغياب وقد عرف الناس هذا قديمًا فكان الهجر والنفي والمقاطعة من أقسى العقوبات الاجتماعية في كل الحضارات. كيف يبدو في الواقع؟ سكوت مفاجئ بعد خلاف لا ردّ على الرسائل ولا على الاتصال وربما يظل الشخص حاضرًا في المكان وغائبًا عنه! ردود مقتضبة جافة: "لا شيء" أو "كما تشاء" مع وجه يقول عكس ذلك. الانسحاب من أي حوار صعب: "لا أريد الكلام في هذا" أو "انتهى الموضوع" وبعد أيام تعود الأمور وكأن شيئًا لم يكن دون أن يُحَلّ ما جرى. كيف يعمل؟ يضع المتلقّي في حالة ترقّب مؤلمة ويترك له فراغًا يملؤه بأسوأ التأويلات: "ماذا فعلت؟ هل انتهى كل شيء؟ هل يكرهني؟" ولأن الصمت لا يحمل اتهامًا محددًا فلا يملك المرء ما يدافع عنه فيبدأ بالاعتذار عن ذنب لا يعرفه ويدفع ثمن المصالحة من كرامته وهنا يلتقي هذا الباب بالأبواب السابقة الصمت هو لحظة "الحرمان" في دورة التعزيز المتقطع والعودة الدافئة بعده هي "المكافأة" التي تُرسّخ التعلق. • وجهه في الاستخبارات يُستعمل الحرمان من التواصل والعزل في أساليب الضغط النفسي لأن الإنسان المعزول يزداد توقه إلى أي صوت ويقبل بما كان يرفضه وفي الجماعات المغلقة يُستعمل التجاهل الجماعي لتأديب من يخالف. • ماذا يفعل بالقلب؟ تتعلم أن تعبّر عن مشاعرك يعني أن تُعاقَب فتكفّ عن الشكوى وتكتم احتياجك وتبدأ بالمشي على أطراف أصابعك خوفًا من إثارة الغضب فتغيب الصراحة وتحلّ محلها المجاملة المتوجسة وبمرور الزمن تتحول العلاقة إلى هدنة هشة لا إلى قرب.! • كيف نفرّق بين الصمت العقابي والحاجة إلى الهدوء؟ -الإعلان: من يحتاج إلى هدنة يقول: "أحتاج ساعة لأهدأ ثم نكمل" أما العقابي فيختفي بلا كلمة. -الموعد: الأول يعد بالعودة والثاني يترك الأمر مفتوحًا ليطول الألم. -الحل: الأول يعود ليحل المشكلة والثاني يعود متجاهلًا إياها كأنها لم تكن. • كيف يتعامل المرء معه؟ -عدم الركض خلف الصمت: فكل مطاردة تكافئه وتؤكد أنه يعمل. -تسمية الأمر بهدوء: "أحترم حاجتك إلى الوقت لكن حين تهدأ أريد أن نتكلم فالصمت لا يحل شيئًا" -حفظ التوازن: أن تظل لك حياتك وأصدقاؤك واهتماماتك حتى لا تتعلق راحتك بكلمة منه. الحقيقة التي ينبغي أن تُحفظ هنا هي أن الخلاف لا يهدم العلاقات وإنما يهدمها العجز عن عبور الخلاف ومن جعل الصمت وسيلته كلما اختلف ترك في الآخر وحشة أشد من الكلام القاسي لأن الكلمة الجارحة تُجاب أما الصمت فلا جواب له.!
🚪الباب السادس: الدورة الكاملة وطريق النجاة كيف تتكامل الأساليب؟ لم تكن الأبواب السابقة أدوات منفصلة بل حلقات في سلسلة واحدة فلو تتبعنا علاقة مختلة من بدايتها لرأينا الصورة هكذا: • القصف: تبدأ بوفرة تُسكر وتُعلّق. • الفتات: ثم تنحسر الوفرة إلى قطرات فيبقى الأمل بلا شبع. • الإضاءة الغازية: فإذا اشتكيت قيل لك: "أنت تتخيل، أنا لم أتغير" • الصمت: وإن أصررت عوقبت بالغياب. • العودة الدافئة: ثم تأتي لحظة حنان مفاجئة فتنسى وتغفر وتتعلق أكثر. وفي قلب هذه الدورة يعمل التعزيز المتقطع الذي بدأنا به؛ إذ كل حلقة تغذّي الأخرى وكل عودة دافئة تمحو من الذاكرة أيامًا من الجفاء. وهكذا تتحول العلاقة إلى حلقة مغلقة: ألمٌ يتبعه رجاء، ورجاءٌ يتبعه ألم.! • لماذا يبقى الإنسان فيها؟ ليس لأنه ضعيف فكثير من الأقوياء وقعوا فيها يبقى لأسباب عدة: الأمل في عودة الأيام الأولى وما استثمره من وقت ومشاعر فيصعب عليه أن يعدّه خسارة وتآكل ثقته بنفسه حتى صار يرى الحل عند من صنع المشكلة والخوف من الوحدة وهذه كلها تفسّر لمن يشهد من الخارج ما يبدو له غير مفهوم. 🖍️مراحل النجاة
- الاعتراف: أول الخطوات أن تسمّي الأمر باسمه فما لم يُسمَّ لم يُعالَج وأن تقول لنفسك بصدق: "أنا لا أتلقى حبًّا مستقرًا، بل أتلقى حلقة من الرجاء والحرمان"
- فصل الشخص عن الصورة: قد تكون متعلقًا بالأيام الأولى لا بالإنسان الذي أمامك اليوم. اسأل: هل أحب هذا الإنسان كما هو الآن أم أحب ما كان يومًا ثم غاب؟
- استعادة المرجعية: دوّن ما تراه وراجع نفسك مع من تثق به وأعد الاعتبار لحدسك الذي أُسكت طويلًا.
- وضع الحدود: أن تحدد ما تقبله وما لا تقبله وتقوله بهدوء وثبات فإن احترمها الآخر فتلك بداية إصلاح وإن سخر منها أو عاقبك عليها فقد عرفت جوابك.!
- الانقطاع المتدرج أو التام: إن لم يتغير شيء فإن الحل أن تبتعد وسيكون الأمر مؤلمًا أول الأمر لأن الدماغ تعوّد على جرعة الترقب كما يتعوّد على أي إدمان وسيطالبك بها فلا تعدّ ألم الفطام دليلًا على أن العلاقة كانت حبًّا.
- إعادة بناء الذات: عد إلى ما أهملته من صداقات وهوايات وعمل ومعنى فمن امتلأ من داخله قلّ تعلقه بالفتات.
📝تنبيه أخير ما سبق وصف لأنماط لا حكم على الأشخاص وقد يقع الإنسان نفسه في بعض هذه الأساليب دون وعي فيكون المطلوب منه مراجعة نفسه لا الدفاع عنها وإن كان الألم شديدًا أو العلاقة مرتبطة بخوف حقيقي من الأذى فلا ينبغي أن يواجه المرء ذلك وحده بل يستعين بمختص نفسي أو بمن يثق به ختاماً 💺 بدأنا من فئران سكنر وانتهينا إلى قلب الإنسان ورأينا أن الآلية واحدة وإن اختلفت الغايات. فالاستخبارات صنعت من الحرمان فنًّا والقلوب المرتبكة مارسته دون أن تدري. غير أن الخبر السار أن من فهم الصنعة انحلّ نصف سحرها عنه ومن عرف قيمته لم يرضَ أن يعيش على الفتات. وليكن ختام المقال هذا السؤال الذي بدأنا به: هل نحب من نحب، أم نحب انتظاره؟
