
مقال 3 دقائق للقراءة
كوكب من لاهور أنار ديار الضاد
سفير البيان وحارس المعاجم: رضي الدين الصغاني
ما بين بابلور ولاهور حيث تفتحت عيون الأقمار، إلى بغداد الرشيد حيث توارى السراج، سرت مسيرة رجلٍ لم يكن طارق بابٍ في اللغة إلا فتحه، ولا عقدةً في بيان العرب إلا حلّها. إنه الشيخ الإمام، العلامة اللغوي، المحدث الرحالة: أبو الفضائل رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني (ابن حيدر البابليوري الحنفي)، الذي وُلد في القرن السادس الهجري وتوفي في منتصف القرن السابع الهجري (القرن الثالث عشر الميلادي)، ليكون طوداً شامخاً من أطواد العربية، وعلماً يتجاوز في عمقه حدود الجغرافيا الضيقة، حاملاً لواء لغة القرآن العظيم من شرق آسيا إلى حواضر الخلافة الإسلامية.
لم تكن العروبة في يوم من الأيام حكراً على أهل الأبنية الحجرية والرمال المتحركة، بل كانت وعاءً إلهياً يتسع لكل قلبٍ نابض بحب الله ونبيه صلى الله عليه وسلم. ولد الصغاني في لاهور سنة 577 هـ، ونشأ بيئياً في عائلة علمية رفيعة، لكنه لم يقنع بالدعة؛ بل شدّ رحاله مغترباً في طلب العلم، فطاف الأقطار، وجاب المفاوز، متتلمذاً على شيوخ بغداد ودمشق ومكة واليمن، حتى غدا رحالة المعرفة الذي ينهل من كل بئر عذبة، ليعود فيصوغ من لغة العرب معجماً متكاملاً ينبض بالحياة، مستشعاراً قوله تعالى: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"
إذا ذكرت معاجم العربية الخالدة، وقف "العباب الزاخر واللباب الفاخر في اللغة" وشاحاً فخراً على صدر التاريخ. لقد أفنى الصغاني زهرة عمره في تصنيف هذا الكتاب العظيم، محاولاً استدراك ما فات "الصحاح" للجوهري، وجمع شتات لغة الضاد في بحرٍ لا ساحل له. ولم يكن هذا الكتاب مجرد سرد لغو، بل كان منارةً اعتم عليها الأعلام اللاحقون؛ ويكفي صاحب "القاموس المحيط"، المجد الفيروزآبادي، فخراً واعترافاً أن جعله العمدة الأساسية التي استقى منها مادته الغزيرة، فاختصر مادته وضبط درره. كما أتحف المكتبة الإسلامية بكتابه الفذ "التكملة والذيل والصلة لكتاب الصحاح"، ليكون حلقة وصل ذهبية بين متقدمي اللغويين ومتأخريهم، فضلاً عن عنايته بكتب الحديث الشريف ككتابه "مشارق الأنوار النبوية على صحاح الآثار المحمدية" الذي صار مرجعاً في غريب الحديث.
بعد رحلة طويلة من الكفاح العلمي والتأليف الرصين، وإيفاد الخليفة العباسي له سفيراً إلى بعض ملوك الأطراف لحكمة بالغة ودراية سياسية واجتماعية، وافت المنية الإمام الصغاني في بغداد المعزولة سنة 650 هـ (1252 م). وُورِي جثمانه الطاهر في تلك الأرض التي طالما عانقت حروفه وخطّت أقلامه على أديمها، لينتقل إلى رحمة ربه راضياً مرضياً، تاركاً وراءه تركةً لغوية فخمة تضاهي الجبال ثباتاً ونفعاً.
والعجب كل العجب أن رجلاً بحجم رضي الدين الصغاني، أثرى المكتبة العربية بأمهات المعاجم والدواوين، ونافح عن لغة القرآن الكريم بجهدٍ ينوء به العصبة أولو القوة، طواه النسيان في الذاكرة العامة لأجيال اليوم، ولم ينل حقه الوافي من التعريف في المناهج والأوساط الأدبية. إنها لغبنٌ تاريخي أن تُنسى أسماء أولئك الأفذاذ الذين جاؤوا من شبه القارة الهندية ليحرسوا ثغور لغة العرب بقلوبٍ أخلصت لله، فكانوا أشد غيرة عليها من بعض أبنائها الأصليين. وإن إحياء ذكرى الصغاني وأمثاله ليس ترفاً تاريخياً، بل هو ردّ دين لحضارة إسلامية متكاملة كانت الهند فيها منارات هدى لا تنطفئ.
