
مقال 4 دقائق للقراءة
(رؤية عن الشعر: فائدته وكيفية تعلمه)
أتحدث عن موضوعين مهمّين جدا للطالب، وقد سألني عنهما كثير من الإخوة المهتمين بالعلم، وهما: ما فائدة الشعر؟ وكيف نتعلم الشعر؟:
أولا ما فائدة الشعر؟: أرجو من كلّ قارئ مهتم أن يركز جيدا ع ما سأقول:
تعلم الشعر أساسي بالنسبة لطالب العلم العربي كائنا تخصصه ما كان، لا فرق بين طالب اللغة والأدب مثلا وطالب الشريعة وطالب علم الأنساب ولا حتى عن طالب علم الطّب ما دام طالبا للعلم العربي؛ فالعلم العربي كله يتعلق بالشعر تعلقا مباشرا أو غير مباشر، ولا أريد الإطالة هنا؛ لذلك لن أخوض في عمق هذا الموضوع، لكن يكفي في هذا الشأن قول عمر: "علموا أولادكم الشعر فإنه ديوان العرب"، وكان ابن عباس كلما سئل عن تفسير آية من القرآن فسّرها بشيء من شعر العرب؛ ذلك لأن القرآن بلسان عربي مبين، ومن شأن مفرداته وأساليبه أن تكون من لباب العربية، وليس هناك مرجع للأئمة في تفسير القرآن الكريم ومعرفة معنى الحديث سوى الشعر؛ إذ هو كلام العرب، ومخبأ خبراتهم، وكنز علومهم؛ فمن لم يروه ولم يعرفه فلا يمكنه الاستفادة من القرآن والحديث حتى ولو كان عربيا قُحّا فكيف وهو في عصر متأخر ذهبت فيه الفصحى؟؟! فإن قلت لي كثير من القرآن فُسّر بالحديث، فسأرد بأنه يلزمك الدور والتسلسل؛ لأن الحديث أيضا يحتاج لتعلم اللغة واللغة تحتاج للشعر.. ويكفيك أيها القارئ مثالا أن الإمام الشافعي-رضي الله عنه- قضى زمنا طويلا في بادية هذيل يتعلم الشِّعر ويرويه ويحفظه، وشعر هذيل أثرى شعر العرب من ناحية المعجم، هذا والشافعي فصيح ويستشهد بشعره، ولهذا أثمرت تلك الجهود فكان شاعرا، وكانت هذه المبادرة مما شارك في تمكنه أيضا من أَعنّة أصول الفقه؛ فكان مبتكره! فكيف اليوم يتمكن أحدنا من فهم القرآن والحديث استقلالا عما كتبه الآخرون، أو كيف تكون له وسيلة يفهمهما بها غير التقليد؟ بمعرفة الشعر من جميع جوانبه؛ فمثلا أنت أيها القارئ لو كنت تقرأ في سورة الأنعام: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام..} الآية؛ فأنت لفهم معنى هذه الآية تحتاج فقط إلى جولة في الشعر؛ لأن كل هذه من تقاليد العرب الباطلة التي نفاها القرآن، وصدقني معرفتك لها هكذا أروح لنفسك بكثير من فتحك لكتاب تفسير؛ لأنك هكذا تأخذ تحليل المعلومة من أول مصدر من مصادرها، وهذه متعة لا تُعوض.. هذا في القرآن والحديث فقط، وشعر العرب ليس قاصرا ع تعليم القرآن والحديث فقط، بل هو مكتظ بالكثير من العلوم الطبيعية والمجردة مما لا ينبؤك عنه كروايته؛ فصدقني إن رويته لن تندم.
ثانيا: كيف نتعلم الشعر؟ وهذا سؤال ملح ألقي علي أكثر من مرّة؛ فأقول والله المستعان:
الشعر جانبان: رواية ودراية؛ فالرواية تكون بالحفظ؛ بأن تحفظ أكثر كمّية تستطيعها من الشعر بعيدا عمّا إذا كنت تستوعبها أم لا، والدراية تكون بمعرفة الأساليب والقوانين العامّة؛ كمعرفة المشبهات والمشبهات بها عند العرب، ومعرفة طُرق الاستعارة، ومعرفة مذاهب العرب في الكلام، والتمييز بين لغاتها ولهجاتها، وتمييز الشعر الحضري من البدوي، ومعرفة المنحول ومقابله.. وهكذا..
ودراية الشعر ليست بالأمر الهيّن كما يتخيله البعض، وهذا التخيل هو السبب في وقوع البعض في الأخطاء الجسيمة ومجانبتهم صوب الشعر؛ فجالوا في مجالٍ ما هو بالشعر؛ فالشعر كما قيل: ... صعب وطويل سُلّمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمُه
زلت به إلى الحضيض قدمه يريد أن يعربه فيعجمه..
وهكذا فالأمر ليس بسهل أبدا؛ فالشعر أول ما كان كان سليقة للعرب يعبّرون به عن ثقافتهم وعن تجاربهم وعن مشاهداتهم، وكان ذلك هدية من الله إليهم من بين شعوب العالم؛ كما عن بعض الكتب السماوية السابقة؛ حيث قال بعض الأحبار إنه ورد في كتبهم ذكر رجال أناجيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة ويقول: "ما نعرفهم إلا العرب"؛ فهذا فضل من الله على العرب؛ فهم مع بساطتهم وسذاجتهم وأميتهم قبل الإسلام كانوا من أغنى الأمم بالتجارب وكانوا من أغزرهم علوما لولا أن أغلب علمهم ضاع مع شعرهم كما قال أبو عمرو بن العلاء.. ع كل ليس هذا غرضنا الآن، بل الغرض أن من أراد التمكن من كتابة الشعر اليوم لا بد له من حفظه أولا، ثم الاستعانة بعلوم آلته عليه؛ كالمعاجم فيما يتعلق بمعنى المفردات، والصرف فيما يتعلق بمعرفة التغيرات التي تطرأ ع المفردات بداعي المعنى أو بداعي المبنى، وكذلك النحو فيما يتعلق بمعرفة التراكيب الصحيحة من غير الصحيحة، والبلاغة من حيث معرفة الدلالات وتفاوتها.. كل هذا من أجل صوغ كلام صحيح.. ثم العروض في النهاية للتمكن من إجراء الشعر على سننه الصحيح..
ثم الشعر بعدُ إما ملكة أو صناعة؛ فمن له ملكة فبمجرد تعلمه لهذه الآلات يصبح جاهزا تلقائيا للتعبير عن مشاعره، وأما الآخر فيمكنه أن يصنع القصائد، لكنه لا يكون كالشاعر المطبوع الذي يقول الشعر عن مَلكة، لكن الصناعة قد تصبح مع مرور الزّمن موهبة وبتطوير هذه الموهبة وعدم إهمالها يصبح صاحب الصناعة كصاحب الملكة إلا فيما لا يمكن من ذلك.. هذا والله أعلم وهو من وراء القصد.
كتبه الطالب: تاج الدين محمد الأنصاري
