
مقال 6 دقائق للقراءة
متجر الشخوص
قصة قصيرة وائل مكي
أقف ذاهلًا عما حولي رافعًا رأسي إلى الأعلى أقرأ اللافتة الخشبية العتيقة أعلى المتجر. [متجر راسخ للشخوص] وتحته بخط أصغر. (شخصيات حديثة وقديمة، عجائبية وخيالية وواقعية، تردنا أول بأول)
لم ألحظ يومًا هذا المتجر، الرجل على حق إذًا؛ عندما سألت صديقي الشيخ الهرم من أين تأتي بشخوص رواياتك؟ لم يجبني سوى بأن سحب ورقة وخط عليها شئ ما، دار بكرسيه ذو العجلات نصف دورة ثم ناولني الورقة، نظرت إليها فقر أت عنوانًا مألوفًا لدي، عندما سألته ذلك السؤال لم أكن أبحث عن إجابة حرفية، فأين هنا لم أقصد بها مكان، وإنما قصدت الإلهام الذي لازم هذا الكاتب العظيم طوال أكثر من أربعين عامًا، لكنني أخذت الورقة رغمًا عن افكاري، تراءى لي في فضاء خيالي مصادر إلهام الشخوص لدى نجيب محفوظ وخيري شلبي وجان بول سارتر، إنه المقهى، وظننت أن هذا عنوان المقهى المفضل لكاتبي المفضل، لكن هالني أنه فعلًا يشتري شخوصه من متجر.
ما المقصود بالشخوص؟ هل يبيع ذلك الراسخ أناسًا؟ شعرت كأنه سوق للنخاسة، فاترينة زجاجية قديمة الطراز، بها تماثيل مصغرة لشخصيات، مخطوطات على جلد مدبوغ، لوحات وجوه باكية وضاحكة، وغاضبة وحالمة. دفعت الباب الزجاجي المؤطر بخشب الماهوجني، رأيت مكتبة عتيقة الطراز تمتد أمام بصري، ذات أرفف كثيرة داخل أروقة، لكن لم يكن عليها كتب، بل كانت تحفل بملفات على أغلفتها أسماء أشخاص، كأني في دار المحفوظات، قرأت لافتة أعلى الرفوف مكتوب عليها [شخصيات جاهزة] بحثت عن لافتة أخرى مكتوب عليها (شخصيات تفصيل) فلم أجد، جال بصري في المكان فلم ألحظ وجود أحد، اقتربت من إحدى الخزانات وقرأت أسماء الشخوص: [نعمة المليجي - ربة بيت وأم مكافحة] [رامي السيوفي - رجال أعمال عصامي وانتهازي] [سيجافان - شجرة قديمة حزينة]!
استرعى الملف الأخير انتباهي، فسحبته من على الرف، ورحت أقلب أوراقه، رسوم يدوية لشجرة ناطقة، سرد لصفات وتاريخ الشخصية، سحبت ملفات أخرى لأشخاص آخرين، فوجدت مثل ذلك في كل ملف.
- هل تبحث عن شخصية معينة؟
التفت فرأيت فتاة حمراء! نعم وجهها أحمر اللون بشدة كأنما صبغته بحناء: - أنا كاتب. - يقينًا، كل زبائننا، كتاب. - أبحث عن إلهام للشخوص. - هنا لن تجد إلهامًا، لكنك ستجد الأشخاص بأنفسهم. - لحمًا ودمًا؟ - بل ورقًا وحبرًا. رأت حيرتي فقالت لي اتبعني، قادتني إلى رواق تلو الآخر، أقرأ أعلى ناصية كل رواق عنوان نقش على لوح خشبي: (شخصيات تاريخية) (شخصيات خيالية) (شخصيات نفسية) (شخصيات من عوالم الحارة المصرية) (شخوص من أعمال عالمية)
بدا لي أنني أسير داخل عالم لا ينتهي، سألتها: - من أين تأتون بالأشخاص. قالت وهي لم تتوقف عن السير: - يأتي بها عقل كتَّاب مثلك، ينحتونها على ورق وتراجعها لجنة نقاد ويقيمون ثمنها وندفع لهم، وهناك أيضًا المنقبين. - منقبين، عن أي شيء ينقبون؟ - عن الأشخاص، يبحثون في بطون الكتب والروايات والمسرحيات وفي صالات عرض الأفلام، ويستخرجون الشخصيات ويرسمون صفاتها بأقلامهم، وهذه سعرها أقل. - ما الذي يحدد الأسعار؟ - الندرة! فكلما كانت الشخصية نادرة متفردة فإن سعرها يعلو، وقد يدفع الكاتب مبلغًا إضافيًا لعدم بيع ملف الشخصية إلى كاتب آخر. ثم قادتني إلى ساحة متسعة بها مناضد ومقاعد يجلس إلى كل نضد شخص أمامه أضابير تحوي ملفات، التفتت إلي وهي تشير إلى البهو: - انتق لك مكانًا، وأخبرني بما ترغب من شخوص وسأحضر لك ملفات أشخاص تناسب طلبك. شعرت أنني في مطعم وهذه النادلة، فأخبرتها أنني أرغب في أن أتجول بحرية بين الأروقة لأختار ما أشاء.
مللت من رواق شخوص الرعب القوطي، فاتجهت إلى عالم الفانتازيا، وجدت شخوص عجيبة وجميلة، مثلًا عائلة كاملة من حبات الرمال مكونة من أب وأم ومائتي مليون ولد، وشخصية طبيب يعالج التنانين التي لا تنفث نارًا بخلطة من أحجارًا بركانية وأعشاب تنمو في أعلى جبل (موميرو)، سحبت ملف الطبيب العجيب، شعرت بلفحة هواء فوقي، نظرت إلى الأعلى فلم أرى شيئًا لكني لمحت ظل جناحين وذيل على الحائط، تبعت الظل مسرعًا، فلم أجد شيئًا، رأيت كرسي متحرك يتوارى بصاحبه داخل رواق (شخصيات أدباء وفنانين) ، عدوت خلفه علِّي أحظى ببعض الونس، فلم أجده.
عدت إلى الفتاة أسألها عن الظل والكرسي المدولب فضحكت، وقالت: - إن الشخوص هنا لها تأثير نفسي، ما إن تنفرد بها لفترة حتى تتراءى لك بعين خيالك. تنهدت وقلت: - لا أجد ضالتي في الأروقة، أريد شخصيات أكثر تحديدًا لما في رأسي. لمعت عيناها وابتسمت: - إذًا تعال معي.
هبطنا درجًا خشبيًا إلى طابق سفلي يحوي ماكينة عتيقة الطراز مصنوعة من معدن وخشب، الآلة تشبه آلة البيانولا القديمة، توجد نوافذ في مقدمتها تدور بداخلها صور كما آلات القمار، ويوجد في الأسفل عجلات معدنية تدار باليد، وفتحة أسفل تلك العجلات. - صف لي الشخصية التي في خيالك. - كيف أصفها؟ - ما نوع العمل الذي تكتبه؟ - لا أعرف كيف أصنف ما في رأسي، ربما فلسفي ما ورائي. أخرجت من درج صغير كرة خشبية ووضعتها في فتحة الآلة وأدارت إحدى البكرات المعدنية على رمز من الرموز: - هل في عالم خيالي؟ - بل في عالمنا هذا وزماننا هذا. أخرجت كُرتين أخريين وفعلت مثل السابق، وظلت تسألني عن مواصفات شخصيات روايتي، وأنا أجيب وتضع كرات وتدير بكرات، ثم عند انتهائنا، ضغطت زر ضخم، فدارت الماكينة مئات المرات وأصدرت جلبة عظيمة ارتجت لها الأرض تحت قدمي، ثم انفتح باب أسفل الآلة وخرج صندوق خشبي، التقطته وفتحته وأخرجت منه ملف مكتوب عليه الكاتب المشهور، وناولته إياي: - هاك ملف شخصياتك. ملف سميك لا يقل عن مائة صفحة، قلبت صفحاته فوجدتها مسودة بكل تفصيلة في حياة الشخصيات ورسم ومواقف حياتية وتاريخ حياتهم.
- من يكتب كل هذا؟
- لدينا كوادرنا المدربة.
- كم تريدين؟ - هذا أول تعامل لك معنا، وستكون هذه تقدمة منا لك دون مقابل. دلتني على باب خروج أفضى بي إلى شارع آخر غير الذي دخلت منه، وقبل أن أصل إلى البيت هاتفت أستاذي أبشره أنني وجدت ضالتي في متجر الشخوص، ردت علي امرأة لأول مرة أسمع صوتها، سألتها عن الأستاذ فأخبرتني أنه لا يوجد أحد بهذا الاسم، عدت إلى البيت وأعدت الاتصال بعد أن تأكدت من الرقم فعدت بنفس الخيبة، سألت أصدقائي عنه فلم يبد أن أحدًا سمع عن الكاتب المشهور. لم أعثر على متجر الشخوص ثانية، فقط محل لبيع أقلام الرصاص لم يبد أن صاحبه على علم بما أقول، فقط قال أنني اشتريت منه الكثير من أقلام الرصاص. تذكرت أنني لم أطالع ملف الشخوص، فتحته وقلبت صفحاته فوقعت عيناي على وصف لفتاة بشرتها حمراء اللون كأنما صبغتها بحناء! الوصف ليس غريبًا علي، قلبت الصفحات فهالني ذلك الوصف لكاتب شهير، شيخ مقعد، شخوصه يبهر الناس فرادتها، ظل يكتب لأكثر من أربعين عامًا! أيام رحت أقلب أوراق ملف الشخوص علني أفهم ما حدث، ذلك الملف المكتوب بخط يدٍ بأقلام رصاص.
