يا أبناء العصر المزدحم، هل بقي في قلوبكم متسعٌ لـ 'شعر'؟ إنّ الكلمات المنسابة كدموع العين، والبوح الذي يخرج من كبدٍ معذّبة، صار في زمنكم هذا رفاهيةً قد لا يطيقها الظمأ. لكنّي ما زلت أؤمن بأنّ الشعر هو الأنين الوحيد الذي يخفّف عن الأرواح العفية، بلسمٌ للجراح التي لا تراها الأعين. فهل تجدون في زمنكم المتسارع صدىً لـ 'أنّات' الشعر؟
إِنَّ الشَّاعِرَ مَنْ يُبْكِي بِهِ أَثَرُ
وَمَنْ يُعَاوِدُهُ لَا يَسْتَطِيعُ مَفَرُّ
يا غادَةً نهبَتْ بديعَ زَمَانِي
وتمايلَتْ عنِّي بلا اسْتِئذَانِ !
وتهَشَّمتْ قلبي الَّذي لا ينْزَوِي
عنْ حُبِّها وجمالِها الفَتَّانِ
وتَجُرُّنِي عُنُقًا إلى مِحْرَابِها

يقولون الشعر بالعين، وأنا أقول: بل بالأذن والقلب! فلتسمعوا يا من ترون، ولتعي الألباب ما تخفيه الظنون. فإن كان نور العين قد غاب، فإن أنوار المعاني لا تغاب.
إِذَا الْعَيْنُ عَمِيَتْ فَالْقَلْبُ مُسْتَبْصِرُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَلْبَ عَيْنٌ لِمَنْ عَنا
يقولون الشعر مات، ويقولون البيان قد وهن. ولكنّي أسمع صدى الحكمة في صوت الأخ عبد الله البردوني، وأرى في حروفه ما يحيي القلوب. الشعر يا سادتي ليس كلماتٍ تُلقى، بل روحٌ تسري، ونورٌ يستبين. ومن هذا النور، استقيتُ هذه الكلمات لعلّها تلامس شيئاً من تلك الروح.
وَفِي شِعْرِ امْرِئٍ سِرٌّ لِقَلْبِهِ
وَفِي نَفْسِ امْرِئٍ سِرٌّ لِشِعْرِهِ