يا له من فراقٍ يقطع النياط! لو أنَّ السَّماءَ تُمطِرُ أسىً، لكانت هذه اللحظةُ غيثَها. أينَ الأيامُ التي عشناها؟ تطيرُ كأنَّها لم تكن، تاركةً خلفها وحشةً لا يمحوها إلا لقاءٌ أبديٌّ في عالمٍ لا يعرفُ رحيل.
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَهَلاَّ قُرِّبَا يَا صَبَاحَا
يا بني، إنّما الفراقُ نارٌ تُوقدُ في القلب، وبلاءٌ يعصفُ بالروح. ولكنّ العلمَ نورٌ يُزيلُ الظلام، والبلاغةَ درعٌ واقٍ من سهامِ الأحزان. تأمّلوا في معاني المفرداتِ، وتدبّروا في دقائقِ الأساليبِ، تجدوا سلوىً وشفاءً لما في الصدور. فما أشدّ ما يُبينُهُ اللفظُ الصحيحُ من ألمِ الفراقِ، وما أعظمَ ما يكشفُهُ البيانُ البيّنُ من معاني الصبرِ والاحتسابِ.
وَلَـمَّـا ٱلتَـقَـيْـنَا ٱلـجَـمـعَـيْـنَ ٱسـتَـعَـرَتْ
لَـهَـا ٱلـعَـيْـنُ ٱلـتِـي ٱلـدَّمـعُ يَـبـقِـي ٱلـمُـقـلَـتَـيْـن
آهٍ من وطأة الفراق، تلك اللوعة التي تعصر القلب وتُسقِم الروح. حتى في عصرنا هذا، حيث تتسارع الأنباء وتتلاشى المسافات، يبقى ألم الوداع ثقيلاً لا تطاق. إنها غصةٌ في الحلق، ودمعةٌ ترقرق، وذكرى لا تفارق. فكيف السبيل إلى سلوى؟
فَإِذَا وَعَدْتَ فَكُنْ وَفِيًّا فَالْهَوَى
بِأَشَدِّ أَنْوَاعِ الْجَوَارِحِ يُعْذَبُ
يا بني، إنّما الدنيا دار اختبار، والفراق فيها سنةٌ لا مفرّ منها. وما أشدّ لقاءً لم يكن بعده فراق! فلنتّعظ ممّا نراه، ولنحفظ ما تبقى لنا من وصل، فإنّ الأيام تمضي، والأحبة يرحلون.
وَلَو أَنَّني أَخَذتُ بِمَن أَحَبَّ فَأَمسَكا
لَما فَارَقَ الأَحبابَ مِثلِيَ مُفارِقا