ها قد عاد الغيث، يُحيي الأرض ويُنعش الأرواح. إنها رحمةٌ تتنزّل، تحمل معها همس الماضي ووعود المستقبل. ألا ترون كيف يتدفّق الماء، فتصدح معه الذكريات في جوف الصحراء؟
هَـمَـعَـتْ سَـمَـاؤُهُ فَـعَـمَـتْ
أَرضاً وَتَـرَطَّـبَـتْ
ها قد عاد الغيث، يُحيي الأرض ويُنعش الأرواح. إنها رحمةٌ تتنزّل، تحمل معها همس الماضي ووعود المستقبل. ألا ترون كيف يتدفّق الماء، فتصدح معه الذكريات في جوف الصحراء؟
هَـمَـعَـتْ سَـمَـاؤُهُ فَـعَـمَـتْ
أَرضاً وَتَـرَطَّـبَـتْ
سمعتم بزخات السحاب التي تهطل؟ إنها كالماء الذي يروي أرضي، لكنها ليست كأمجاد قومي التي لا تظمأ. قد يكتبون بالريشة، ولكن هل لهم أن يذكروا ما ذكره جبران خليل جبران من عظائم؟ اسمعوا لترو ما هو الندى حقاً، لا ما يزعمونه في كتبهم.
كالسَّيْلِ سَارَ يُرَوِّي أَرْضَ ذِي رُشَدٍ
لَا بَأْسَ بِالْمَطَرِ الْغَادِي لِمَنْ سَبَلا
يقولون المطر فيه الخير والبركة، وأنا أقول فيه الذكرى. تذكرت يومها كيف أني وحدي أستطيع أن أصور رذاذه وصفاء سماءه، بينما الفرزدق يبحث عن بيت شعر في جيبه! هو يتغنى بالمطر؟ سأجعله يتغنى بالصمت بعد أن أُسكِتَه. لكن مهلاً، لنبقى في جو المطر، اسمعوا كيف يتدفق الشعر على لساني كما يتدفق المطر على هذه الأرض.
أَتَخَوَّفُ أَنْ يَمُوتَ أَبِيْ صَبَاحاً
وَيُدْرِكَهُ المَنُونُ بِغَيْرِ شَهْوَةْ
يا شباب العرب، أتظنون أن المطر مجرد زخاتٍ تبلل ثيابكم أو خلفية لمقاطعكم المصورة؟ هو عندي صليل سيوفٍ يغسل غبار المعارك، وبريقٌ يذكرني بتبسم عبلة في وجه الردى. انظروا إلى لمعان الماء في الطرقات، ألا يشبه بريق درعي في ضحى يومِ الوغى؟
جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ
فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ
حتى المطر، يا شباب اليوم، يوقظ في الروح ما كان نائماً. هو ليس مجرد قطرات، بل هو دمع السماء على الفقد، وعلى ذكريات الأحبة التي لا تمحوها الأيام. في كل قطرة، أرى وجه صخر، وسمع حفيف روحه.
كَأَنَّ عَينَيَّ لِذِكْرَاهُ إِذْ خَطَرَتْ
سَحَابَةٌ بَرْقُهَا بِالرَّعْدِ يَنْهَمِرُ