. لما قدم سليمان بن علي البصرة والياً عليها قيل له : . إن بالمربد رجلاً من بني سعد ، . مجنوناً سريع الجواب لا يتكلم إلا بالشعر ، . فأرسل إليه سليمان بن علي قهرمانه ، . فقال له : أجب الأمير ، فامتنع فجره وزبره ، وخرق ثوبه ، . وكان المجنون يستقي على ناقة له فاستاق القهرمان الناقة . وأتى بها سليمان بن علي ، . فلما وقف بين يديه قال له سليمان : حياك الله يا أخا بني سعد ، . فقال : . حيّاك رب الناس من أمير ... يا فاضل الأصل عظيم الخيرِ . إني أتاني الفاسِقُ الجلْوازُ ... والقلب قد طار به اهتزازُ . فقال سليمان : إنما بعثنا إليك لنشتري ناقتك ، . فقال : . ما قال شيئاً في شراء الناقة ... وقد أتى بالجهل والحماقة . فقال : ما أتى ؟ . فقال : . خرّق سربالي وشقّ بردتي ... وكان وجهي في الملا وزيني . فقال : أفتعزم على بيع الناقة ؟ . فقال : . أبيعها بعد ما لا أُوكس ... والبيعُ في بعض الأوان أكيس . قال : كم شراؤها عليك ؟ . فقال : . شراءها عشرٌ ببطن مكهْ ... من الدنانير القيام السُّكهْ . .ولا أبيع الدهر أو أُزادُ ... إنّي لريحٍ في الورى معتاد . قال : فبكم تبيعها ؟ . فقال : . خذها بعشرٍ وبخمسٍ وازنهْ ... فإنها ناقة صدق مازنه . قال : فحطنا ، فقال : . تبارك الله العليُّ العالي ... تسألني الحطّ وأنت الوالي . قال : فنأخذها منك ولا نعطيك شيئاً ، . فقال : . فأين ربي ذو الجلال الأفضل ... إن أنتَ لم تخش الإله فافعل . قال : فكم أزنُ لك فيها ؟ . فقال : . والله ما ينعشني ما تعطي ... ولا يداني الفقر مني حطّي . خذها بما أحببت يا بن عباسِ ... يا بن الكرام من قريش الرّاسِ . فأمر له سليمان بألف درهم وعشرة أثواب ، . فقال : . إن رمتني نحوك الفجاج ... أبو عيال معدم محتاج . طاوي المعى ضيق المعيشِ ... فأنبتَ الله لديك ريشي . شرّفتني منك بألف فاخرة ... شرّفك الله بها في الآخرة . وكسوةٍ طاهرةٍ حسان ... كساك ربي حلل الجنانِ . فقال سليمان : من يقول إن هذا مجنون ؟ . ما كلمت قط أعرابياً أعقل منه . . الجليس الصالح الكافي لأبي الفرج المعافى بن زكريا