Mujtam3
زائر
الرئيسية
بحث
الإشعارات
ريلز
المجالس

من كلّ مثل (مقال).

شاعر
نص·منذ 22 يوم

من كلّ مثل (مقال).

حدّثني أحد الطلبة بكلّيّة الصحّة العامّة بجامعة بنغازي عن إحدى محاضرات علم النفس التي كان يحضرها، وكان في سياق الشرح أن ذُكِر تأثير الفقد على النفس، إذ قال الشارح: ومن الطبيعيّ أنّ الجميع ميّت، وقانون الحياة البقاء… فسكت منتظرًا ردّ الطلبة، ليأتي الردّ الصاعق: للأقوى… قانون الحياة هو البقاء للأقوى، سكت الدكتور في لحظة صدمة، ثمّ قال: البقاء لله، قانون الحياة هو البقاء لله.

قد لا تعدو القصة عن كونها طرفة للناظر أوّل مرة، والمتفحّص الفطن سيعلم وضوح عكسها عمق تجذّر شراذم ترّهات المتحضّرين الغربيّين الفكريّة في دواخل أجيالنا الحديثة، فالقائل بقانون: "البقاء للأقوى"، هو نفسه القائل بنظريّة التطوّر الذاتي، تلك التي لاقت استقبالًا رحبا، وتبنّيًا واسعًا في الأوساط المتحضّرة؛ قد يبدو قانون داروِن "البقاء للأقوى" منطقيًّا حتّى بالنسبة للمسلمين من أحد جوانبه، فهو يوافق القانون الذي سنّه الله ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾، فالبقاء للأقوى يعني أنّ البقاء لله، ومن ذا يجرؤ على المجادلة في قوّة الله، وبرزخ الاختلاف يستطيل عند طرح هذا السؤال على جمع المسلمين والعلمانيّين: على من يُسَنّ هذا القانون؟ نعلم جميعًا أنّ القانون سنّه الله على نفسه مع عباده، لكنّ العلمانيّين -بيد أن لا إله لهم- يرون بتطبيق القانون على كلّ جمهرةٍ من الكائنات بغض النظر عن كونها الأقوى في الوجود أم لا، فيكفي أن تكون الأقوى في مجموعتك لتفرض قوانينك عليهم، وتبقى هيمنتك حتّى يُسَلّط عليك من هو أقوى منك، إنّ هذا الاختلاف في الإجابة بين الفريقين جعلَ اختلافًا جوهريًّا في سلوك كلّ منهما، ويكمن لُبّهُ في المرجعيّة القضائيّة، فبما أنّه للمسلمين الله جلّ جلاله الأقوى، فسنّ قوانينه، وجعل الحرام والحلال، ولا يكون من هو أقوى منه قطّ، لذا فالمرجعيّة تبقى ثابتة، والقوانين والقضاء ثابت، وهي الأعدل، وفي الجانب الآخر لدينا المرجعيّة العلمانيّة، وهي متغيّرة، فكلّ قويٍّ لديهم سيفنى، وسيأتي من هو أقوى منه، ويسنّ قوانينه الخاصّة، وتتغيّر موازين الخير والشرّ بحسب رؤية شارِعِهم، ذلك الذي ستكون قوانينه خادمةً لمصالحه الشخصية أو مصالح حاشيته أو عرقه، فتسود الفوضى، ويكثر الفساد.

لعلّك تقول: قانون البقاء للأقوى معروف أنّه للحيوان، ولا أرى من البشر من يتبنّاه غير الجهلة، وقد تسأل: كيف يركب قانون "البقاء للأقوى" ظهر الأحداث ويقودها إلى الفساد والدمار؟

أفلا تنظر إلى العالم من حولك فتتأمّل أيّ العالمِين أقوى من البشر، ثمّ تأمّل القوانين التي وضعها العلمانيّون للعالم، ثمّ تأمّل من تجد له حقًّا في التملّص من تلك القوانين، ثمّ تأمّل من تخدم تلك القوانين؛ ستجد أنّ واضع القوانين له الحقّ في الهرب منها، ثمّ هي تخدمه، وستجد أنّ الجميع يخشاه لشدّة بأسه، ألا ترى أنّ هذا هو قانون داروِن؟ لنرجع معًا إلى قرابة المئة عامٍ إلى الخلف، ثمّ تأمّل القوانين التي كان يسير عليها العالم، وتأمّل أيّ العالمِين كان الأقوى، واسأل نفسك: أليس هذا قانون داروِن؟ كان ذلك القويّ فتيًّا سانًّا لتشريعاته حتّى سقط، وأتى من هو أقوى منه، فوضع تشريعاته وقاد الحقبة الجديدة؛ من المفترض أنّ تبنّي العلمانيّين لقانون البقاء للأقوى بات واضحًا بالنسبة إليك الآن، ولا مؤسف أكثر من ترسيخ ذلك القانون في أبناء المسلمين.

كان داروِن واضع النظريّة سابقًا، وهتلر مطبّقها لاحقًا، وأمريكا محترفها اليوم، عندما ترى حقّ الفيتو يضرب برأي أكثر من مئة وتسعين أمّة عرض الحائط ولا تجد من يعترض فاعلم أنّ هناك من احترف تطبيق قانون داروِن، عندها حرّى بك أن تعلم أيضًا أنّ هناك من ضيّع القانون الأسمى: البقاء لله!

22 مشاهدة

التعليقات (1)