. ( محاضرة في البخل ألقيت في مؤتمر البخلاء ) . ( شيخ منهم حدّث فقال ) : . لم أرَ في وضع الأمور مواضعها ، . وفي توفيتها غاية حقوقها ، كمعاذة العنبرية . . قالوا : وما شأن معاذة هذه ؟ . قال : أهدى إليها العام ابنُ عمٍّ لها أضحية . . فرأيتها كئيبة حزينة ، مفكرة مطرقة . . فقلت لها : مالك يا معاذة ؟ . قالت: أنا امرأة أرملة ، وليس لي قيِّم . . ولا عهد لي بتدبير لحم الأضاحي . . وقد ذهب الذين كانوا يدبرونه ويقومون بحقه . . وقد خفت أن يضيع بعض هذه الشاة . . ولست أعرف وضع جميع أجزائها في أماكنها . . وقد علمت أن الله لم يخلق فيها ولا غيرها شيئاً لا منفعة فيه . . ولكن المرء يعجز لا محالة . . ولست أخاف من تضييع القليل ، إلا أنه يجرُّ تضييع الكثير . . أمّا القرن فالوجه فيه معروف ، وهو أن يجعل كالخُطَّاف ، . ويسمّر في جذع من جذوع السقف ، . فيعلّق عليه الزَّبَل (1) والكيران (2) ، . وكل ما خِيْف عليه من الفأر والنمل والسنانير ، . وبنات وردان والحيات ، وغير ذلك . . وأما المصران فإنه لأوتار المندفة . وبنا إلى ذلك أعظم الحاجة . . وأما قحف الرأس واللحيان وسائر العظام ، . فسبيله أن يكسر بعد أن يُعرق (3) ، ثم يطبخ . . فما ارتفع من الدسم كان للمصباح . وللإدام وللعصيدة (4) ، ولغير ذلك . ثم تؤخذ تلك العظام فيوقد بها . . فلم يرَ الناس وقوداً قط أصفى ولا أحسن لهباً منها . . وإذا كانت كذلك فهي أسرع في القدر ، . لقلة ما يخالطها من الدخان . . وأما الإهاب فالجلد نفسه جراب . وللصوف وجوه لا تعدُّ . . وأما الفرث والبعر فحطب إذا جفف عجيب . . ثم قالت : بقي الآن علينا الانتفاع بالدم . . وقد علمت أن الله عز وجل . لم يحرم من الدم المسفوح إلا أكله وشربه ، . وأن له مواضع يجوز فيها ولا يمنع منها . . وإن أنا لم أقع على علم ذلك ، حتى يوضع موضع الانتفاع به ، . صار كَيَّة في قلبي ، وقذَىً في عيني ، وهمّا ً لا يزال يعاودني . . فلم ألبث أن رأيتها قد تطلَّقَت وتبسَّمت . . فقلت: ينبغي أن يكون قد انفتح لك باب الرأي في الدم . . قالت : أجل ، ذكرت أن عندي قدوراً شامية جُدُداً . . وقد زعموا أنه ليس شيء أدبغ . ولا أزيد في قوتها من التلطيخ بالدم الحارّ الدسم . . وقد استرحت الآن ، إذ وقع كل شيء موقعه ! . قال : ثم لقيتها بعد ستة أشهر ، . فقلت لها : كيف كان قديد تلك الشاة ؟ . قالت : بأبي أنت ! لم يجيء وقت القديد بعد ! . لنا في الشحم والألية والجنوب والعظم المعروق وغير ذلك معاش ! . ولكل شيء إبان ! . فقبض صاحب الحمار والماء العذب قبضة من حصى ، . ثم ضرب بها الأرض . ثم قال : . لا تعلم أنك من المسرفين ، حتى تسمع بأخبار الصالحين ! . . #البخلاء_للجاحظ #أنوار_أومليلي ................................................ 1- الزبل : جمع زبيل وهي تاقفة أو الجراب والوعاء 2- الكيران : جمع كور وهو الرحل 3- يعرق : يؤكل ما عليه من اللحم 4- العصيدة : طعام من الدقيق والسمن