. سَبْحٌ فِي فَلَكِ الشِّعْرِ_: . _بَحْثٌ بَيَانِيٌّ: . [سَجِينَاتُ القَرِيضِ.. نَفَثَاتُ الأَرْوَاحِ خَلْفَ الأَصْفَادِ] : . _مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ: . لَمْ يَكُنِ السِّجْنُ لِلشَّاعِرِ الفَحْلِ يَوْمًا مَضِيقًا لِلرُّوحِ، بَلْ كَانَ "مِعْرَاجًا" لِلْخَيَالِ، وَمَحَكًّا لِصِدْقِ التَّجْرِبَةِ الشُّعُورِيَّةِ. . فَفِي عَتَمَةِ الزَّنَازِينِ، تُصْقَلُ المَعَانِي لِتَخْرُجَ كَالسَّهْمِ النَّافِذِ، لَا يَعْرِفُ لُغَةَ "الضَّرُورَةِ"، بَلْ لُغَةَ "الاسْتِحْقَاقِ". . نَسْتَعْرِضُ فِي هَذَا المَقَامِ صُوَرًا مِنْ هَذِهِ السَّجِينَاتِ الَّتِي غَدَتْ حُرَّةً فِي ذَاكِرَةِ الزَّمَانِ. . _المَبْحَثُ الأَوَّلُ: إِبَاءُ السَّيْفِ وَعِزَّةُ الخِدْرِ تَأَمَّلْ كَيْفَ قَلَبَ الشُّعَرَاءُ مِحْنَةَ القَيْدِ إِلَى مِنْحَةِ فَخْرٍ، حَيْثُ "اللَّفْظُ حِرْفَةٌ، وَالمَعْنَى شَرَفٌ": عَلِيُّ بْنُ الجَهْمِ: اِسْتَعَارَ صُورَةَ "المُهَنَّدِ" لِيُثْبِتَ أَنَّ الحَبْسَ صِيَانَةٌ لَا مَهَانَةٌ. . قَالُوا: حُبِسْتَ، فَقُلْتُ: لَيْسَ بِضَائِرِي حَبْسِي، وَأَيُّ مُهَنَّدٍ لَا يُغْمَدُ؟ أَوْ مَا رَأَيْتَ اللَّيْثَ يَأْلَفُ غِيلَهُ كِبْرًا، وَأَوْبَاشُ السِّبَاعِ تَرَدَّدُ؟ . ابْنُ زَيْدُونَ: بَلَغَ الذُّرْوَةَ فِي "اسْتِوَاءِ القُوَّةِ" بَيْنَ طَرَفَيِ البَيْتِ، فَجَعَلَ السِّجْنَ جَفْنًا لِصَارِمِ عَقْلِهِ وَإِبْدَاعِهِ. . هَلِ الرِّيَاحُ بِنَجْمِ الأَرْضِ عَاصِفَةٌ أَمِ الكُسُوفُ لِغَيْرِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ؟ إِنْ طَالَ فِي السِّجْنِ إِيدَاعِي فَلَا عَجَبٌ قَدْ يُودَعُ الجَفْنَ حَدُّ الصَّارِمِ الذَّكَرِ . _المَبْحَثُ الثَّانِي: تَرَاتِيلُ الوجْدِ وَمَوَاثِيقُ الوفَاء : حِينَ تَنْطِقُ القَرِيحَةُ بِشَجَى الفَقْدِ، تُصْبِحُ القَافِيَةُ ثَمَرَةً نَاضِجَةً لِلْمَعْنَى، لَا كُلْفَةَ فِيهَا وَلَا اعْتِسَافَ: . أَبُو فِرَاسٍ الحَمْدَانِيُّ: فِي "رُومِيَّاتِهِ" الخَالِدَةِ، يُقِيمُ مُفَارَقَةً بَيْنَ "أَسْرِ الجَسَدِ" وَ"أَسْرِ الهَوَى"، مُعْلِيًا مِنْ شَأْنِ كِبْرِيَاءِ الدَّمْعِ. أَيَضْحَكُ مَأْسُورٌ وَتَبْكِي طَلِيقَةٌ؟ وَيَسْكُتُ مَحْزُونٌ وَيَنْدُبُ سَالِ لَقَدْ كُنْتُ أَوْلَى مِنْكِ بِالدَّمْعِ مُقْلَةً وَلَكِنَّ دَمْعِي فِي الحَوَادِثِ غَالِ . جَعْفَرُ بْنُ عُلْبَةَ الحَارِثِيُّ: رَسَمَ لَوْحَةً لِلْكَرَمِ النَّفْسِيِّ، حَيْثُ تَصْمُدُ المَوَاثِيقُ أَمَامَ الخُطُوبِ العِظَامِ. أَسِجْنٌ وَقَيْدٌ وَاغْتِرَابٌ وَعَبْرَةٌ وَفَقْدُ حَبِيبٍ؟ إِنَّ ذاكَ عَظِيمُ وَإِنَّ امْرَأً تَبْقَى مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ عَلَى كُلِّ هَذَا، إِنَّهُ لَكَرِيمُ _المَبْحَثُ الثَّالِثُ: رَقِيقُ الِاسْتِعْطَافِ وَمَرَارَةُ الشَّكْوَى: . هُنَا يَتَجَلَّى "ارْتِبَاطُ اللَّفْظِ بِالمَعْنَى" فِي أَبْهَى صُوَرِهِ، حَيْثُ تَنْسَابُ الكَلِمَاتُ لِتُحَرِّكَ جَمَادَ القُلُوبِ: الحُطَيْئَةُ: هَزَّ عَرْشَ الرَّحْمَةِ بِصُورَةِ "زُغْبِ الحَوَاصِلِ"، وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبْلُغُ شَغَافَ القَلْبِ. . مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مَرَخٍ؟ زُغْبِ الحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ فَاغْفِرْ، عَلَيْكَ سَلَامُ اللهِ يَا عُمَرُ . صَالِحُ ابْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ: نَظَمَ الحِكْمَةَ بِبَرَاعَةِ "شِعْرِ الحَوْلِيَّاتِ"، وَصَفَ فِيهَا حَالَ البَرْزَخِ بَيْنَ المَوْتِ وَالحَيَاةِ. إِلَى اللهِ أَشْكُو؛ إِنَّهُ مَوْضِعُ الشَّكْوَى وَفِي يَدِهِ كَشْفُ المُصِيبَةِ وَالبَلْوَى خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنْ أَهْلِهَا فَمَا نَحْنُ بِالأَحْيَاءِ فِيهَا وَلَا المَوْتَى . _المَبْحَثُ الرَّابِعُ: سُجُونُ المَعْرُوفِ وَسَرَايَا الجُودِ : أَبُو مَعْقَلٍ الأَنْصَارِيُّ: اِبْتَكَرَ صُورَةً فَرِيدَةً، جَعَلَ فِيهَا "الجُودَ" كَائِنًا يُسْجَنُ مَعَ صَاحِبِهِ، لَكِنَّ نُورَهُ يَخْتَرِقُ الجُدْرَانَ. خَلِيلَيَّ إِنَّ الجُودَ فِي السِّجْنِ فِابْكِيَا عَلَى الجُودِ إِذْ شُدَّتْ عَلَيْهِ مَرَافِقُهْ تَرَى عَارِضَ المَعْرُوفِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَكُلَّ ضُحًى يَسْتَنُّ فِي السِّجْنِ بَارِقُهْ _خَاتِمَةُ البَيَانِ: . إِنَّ هَذِهِ الأَبْيَاتِ لَمْ تَكُنْ رَقْمًا فِي دِيوَانٍ، بَلْ هِيَ "مِيزَانُ ذَهَبٍ" وُزِنَتْ بِهِ مَعَادِنُ الرِّجَالِ. فَالشِّعْرُ، كَمَا تَعَلَّمْنَا، هُوَ السَّهْمُ الَّذِي يُصِيبُ كَبِدَ الحَقِيقَةِ، مَهْمَا حَالَتْ دُونَهُ السُّتُورُ وَالقُضْبَانُ. . _وَأَقُوُلُ : أَبى الحُرُّ إلاَّ أنْ يَكونَ عَرينُهُ مَحَطَّ رِحالِ المَجدِ وَهوَ مُصَفَّدُ إِذَا حُبِسَ المِضمَارُ عَن جَريِ سَابِقٍ فَمَا السَّبقُ إلاَّ لِلَّذي يَتَجَلَّدُ يَضيقُ جِدَارُ السِّجْنِ عَن فَيضِ فِكْرَةٍ لَهَا في سَنَاءِ النُّورِ عَهدٌ وَمَقصِدُ فَلا القَيدُ يُدمِي للمُرَادِ نَوافِحاً وَ لَا العَتمُ يَطوِي شُعلَةً تَتَوَقَّدُ رَأَيتُ القَوافي في السُّجُونِ حَرَائِراً و بَعضُ طَليقِ النَّظمِ عَبدٌ مُقَيَّدُ تَقيّ الدِّينِ العِرَاقِيّ