[الكلام في النحو]
.
وأَمَّا زُهْدُهم في النحو، واحتقارُهم له، وإصغارُهم أَمْرَه وتَهاوُنُهم به:
فَصنيعُهُم في ذلك، أَشْنَعُ من صَنيعهم في الذي تَقدَّم، وأَشْبَهُ بأن يكون صَدّاً عن كتاب الله، وعن معرفة معانيه.
ذاكَ لأَنهم لا يَجدِون بُدًّا من أن يَعترفوا بالحاجة إليه فيه. إذْ كان قد عُلم أنَّ الألفاظَ مُغْلقةٌ على معانيها، حتى يكونَ الإعرابُ هو الذي يَفْتحُها، وأن الأَغراضَ كامنةٌ فيها، حتى يكونَ هو المستخرجَ لها، وأنه المِعيارُ الذي لا يَتَبيَّنُ نقصانُ كلامٍ ورجحانه، حتى يُعْرَضَ عليه، والمقياسُ الذي يُعْرف صحيحٌ من سقيمٍ حتى يَرْجِعَ إليه، ولا يُنكِرُ ذلك إلاَّ من يُنكِر حِسَّه، وإلاَّ مَنْ غالطَ في الحقائق نَفْسَه.
وإذا كان الأَمرُ كذلك، فليتَ شِعري، ما عُذْرُ مَن تَهاونَ به وزَهِدَ فيه، ولم يَرَ أنْ يستَسْقيَهُ مِنْ مَصبِّه، ويأَخذَه من مَعْدِنه، ورضيَ لنفسه بالنقص، والكمالُ لها معرضٌ، وآثرَ الغَبينةَ وهو يَجد إلى الربح سَبيلاً؟