عروسٌ هي الدنيا تراود خاطبا وتخفي له تحت الثياب عناكبا فكم وهبت ثمّ استردّت هباتها وكم أورثت للحالمين المتاعبا ولكنّني لمّا خبرت طباعها بنيت من الخطب المرير مراكبا لأعبر بحراً لا يُحدّ ظلامه وأقطع في ليل الشّكوك غياهبا إذا نسجت حولي شباكاً من الهوى بعثت لها من كبريائي كتائبا فلا أنتهي حيث استكان لها الورى ولا أرتضي عند القيود مناصبا فإسمي وروحي توأمان تعانقا فألزمها معناه عهداً وواجبا وحرّيتي ديني وديدن خطوتي وكم خضت من أجل انعتاقي تجاربا لقد صغرت هذي الحياة بأعيني غداة احترفت من الخطوب مواهبا فإنّ انطفاء المرء يبدأ حينما يرى نفسه في الحادثات طحالبا سأحيا أنا رغم الفناء كما أنا أخلّف قصر الزّائفات خرائبا ورثت إباء الرّوح عن جذر عزّةٍ فلم أرتض الإذلال يوماً مصاحبا أبي .. ذلك الجذر الّذي من وروقه فردت جناحاً يستفزّ السّحائبا أفاض عليّ الحبّ حتّى كأنّني ملكت به الدّنيا وحزت المراتبا إذا ما أردت النّجم جاذب نوره وساق إلى كفّي السّماء قواربا فما بين ما أرجو وبيني مسافةٌ سوى قبلةٍ .. تُدني إليّ الكواكبا أبي.. آيةٌ أنهى بها المجد بوحه وحطّم من بعد التّمام القوالبا رموه بقاع السّجن ستّاً وعشرةً يعاقر فيها للعذاب مشاربا يقصّ جناح الوقت في عزلة الرّدى وينزع من جوف الزّمان عقاربا سنون سقت أهليه كأس ظنونهم تروغ بها الأخبار ميتاً وغائبا وما زار طيفٌ من سناه ديارهم ولا رحمت ريح الشّمال السواكبا بسجنٍ يربّي العتمُ فيه وحوشه تلوك بأنياب الشجون ترائبا مسجّىً على جمر الغيابات قلبه وتنفث أفواه الحنين لواهبا يروح به وحش الظّلام ويغتدي ويحتطب الآهات منه مكاسبا تُكفّن بالإسمنت أنفاس صدره يمدّ إلى الغيب البراح جوانبا فأتعب آلات الحديد بصبره وأورث أصفاد الطّغاة نوادبا إذا ما سباه الجوع .. يبتلع الكرى ويولم من ذكر الجنان مآدبا وما جاع إلّا كي يغذّي عقيدةً لترعى خيول الحقّ فيه معاشبا وكالتّبر .. في نار ابتلاءٍ مؤجّجٍ تجلّى وألقى للرّماد الشّوائبا لأجل يقينٍ أرخص العمر نصفه وخاض بساحات الكفاح مصاعبا كأنّ الشّتاءات الّتي خاض عصفها تركن ثلوج الشّيب فيه ذوائبا فمن عبث الأوهام أن تقهر السّنا لتطفئ في صدر السّماء كواكبا لإن مسّت الحمّى بسوءٍ ليله وأورثه حشد السّقام متاعبا ليهذي بأشعارٍ ويخطب ثائراً وينثر من حفظ الصّدور مناقبا ألا فاعلمنّ الرّوح كأس عقيدةٍ تفيض بما في الجوف طهراً وشائبا يقول: "بنيّ اقبض على جمر ديننا وإن حشدوا للموت فيك عصائبا" فمن دون غاياتٍ عظامٍ، ترى الورى تماثيل شمعٍ لا تنير الغياهبا وما قيمة الأيّام إن لم نخض بها غماراً يحيل المرّ فيها مكاسبا حِمى الشّام ثارت من جراحك حرّةً تسوق إلى فجر الخلاص مواكبا قرأت وعود الله .. واليوم يا أبي! ترى دولة الطّغيان صارت خرائبا وتعلو على أنقاضهم خير شاهدٍ وقد حصدوا بعد العتوّ العواقبا مشيتَ... مشوا.. نحو الخلود موارداً هلكوا ظماءً... كنت أنت الشّاربا!