"أيلول، برزخٌ موسِميّ" المكان: مقْعَدٌ فارِغٌ، في حدِيقةٍ قدِيمةٍ الزّمان: حَنِينٌ فقدَ قُدرتَهُ على الكلامِ، فصارَ غُروبًا كفّ عَنْ إخفاءِ هشاشته، وصارت شمسُه أكثر حنانًا... الغروبُ هنا ليس غيابًا للشّمس، الغروب هنا انحناءةُ ضوءٍ خجولٍ يُلقي التحيّةَ على تجاعيدِ يديك، تلك الطُّرقات الّتي سلكَها الحنينُ ولم يَعُد. الشّاهد: أيلول... شاعرٌ عجوزٌ يكتب رسالةً صفراء، ثمّ يترك توقيعها للرّيح... الحدث: رائحة ماضٍ لم ينته تمامًا، تمشي حافية القدمين على رصيف مبلّل بدموع السّحاب الأولى هي لا تطرقُ البابَ، هي تتسلّلُ إلى القلبِ مع الهواء، وتتّخذُ موقِعَها من حبّتِهِ الّتي تعودُ إليْها منذُ زمنٍ... بلا هوادة ************ أيلول... يا أيلول... يا وجَعَ الورَقِ حِينَ ينفصِلُ عن شجَرِه، يا لوْعَةَ الصّوْتِ حينَ يختنِقُ في حُنْجُرةِ المَطرِ، يا نَبِيَّ الزَّمَنِ الأعْرجَ؛ كيف تسِيرُ نَحوَ المُسْتَقبَلِ بِظَهْرِك؟ كيْفَ تقُودُنا إِلى الغَدِ بِعَينَيْنِ مُسَمَّرَتَيْنِ فِي نَعْشِ الأَمْسِ؟ كيْفَ تُعِيدُ اخْتِراعَ الطَّرِيقِ، وأنت تفرِشَ الرَّصِيفَ بِأَقدامِ الّذِينَ غَادَرُونا؟ كيْفَ يبْرَأُ جُرْحُكَ بكَسْرِ خَواطِرِ الأغْصَانِ، ويَسْتقيمُ شِفاؤُكَ على أنقَاضِ عافِيَتِنا؟ أوهنْتَ قُلوبَنا بالذِّكرى يا حِبْرَ الحنِينِ المُرِّ، تَبرّأُ أنتَ مِن وِزْرِ الفُصُولِ، تبرّأ... وقعْ... خفيفًا... خفيفا... تعَرّ بلا خَجَلٍ... يا أيُّهَا البَرْزَخُ المَوْسِمِيُّ وانتَصِرْ للمَعْنَى، فكلّما قلّتْ زِينةُ الأشْياءِ، توضّحتِ التّفاصِيلُ أكثر... أمّا نحْنُ... فسنظلُّ نحْرُسُ أحْلامَنا الّتي ماتتْ واقفةً، كي لا تُحْرِجَ أحَدًا ... نهاد المعلاوي / تونس