
مقال دقيقتان للقراءة
رثاء حافظ للبارودي
وقفة مع قصيدة شاعر النيل حافظ إبراهيم في رثاء محمود سامي البارودي رب السيف والقلم
في رثاء الشعراء للشعراء تبرز قصائد كثيرة ويتغنى بها الناس مثل رثاء جرير للفرزدق ورثاء شوقي لحافظ ورثاء عبد الرزاق للجواهري
لكني هنا بصدد الوقوف عند قصيدة أخرى أراها مظلومة أبدع فيها حافظ في رثاء البارودي
افتتحها بقوله: ردُّوا عليَّ بياني بعد محمودي "إشارة لمحمود سامي البارودي"
سأقف مع بعض الأبيات التي تستحق أن تردد وتدرس ويتغنى بها الجميع
لبيك يا شاعرًا ضنّ الزمان به على النهى والقوافي والأناشيدِ
تجري السلاسة في أثناء منطقهِ تحت الفصاحة جريَ الماء في العودِ
في كل بيتٍ له ماءٌ يرفُّ بهِ يغار من ذكره ماءُ العناقيدِ
لو حنَّطوكَ بشعر أنت قائلهُ غنيتَ عن نفحات المسك والعودِ
نفحة حافظية تفيض بلاغة وتماسكًا وتعظيمًا لشعر الباروري يفيض حب حافظ للبارودي وشعره حتى يراه أسلس جريا من الماء وأطيب ريحًا من المسك
ولم يقتصر حافظ في مديحه على جانب واحد "الشعر" وإنما نفذ إلى جوانب أخرى
كم وقفة لك والأبطال طائرة والحرب تضرب صنديدًا بصنديدِ
تقول للنفس إن جاشت إليك بها هذا مجالك سودي فيه أو بيدي
هنا يبرز حافظ البارودي فارسًا لا يتردد ولا يتراجع فهو إما سيد وإما قتيل لكنه ليس جبانًا أو ذليلًا
ثم انظر كيف يصف حافظ تراجع الوسط الأدبي بعدما انهد منه ركن ركين وهو البارودي
وأوحش الشرق من فضلٍ ومن أدبٍ وأقفر الروض من شدو وتغريدِ
وأصبح الشعر والأسماع تنبذه كأنه دسم في جوف ممعودِ
لوى به الضعف واسترخت أعنته فراح يعثر في حشوٍ وتعقيدِ
الشعر أصبح ثقيلًا على النفوس كثقل الطعام الدسم على مريض المعدة
ثم أخبرني بالله عليك كيف لا تكون مثلي معجبًا بهذه الأبيات؟ التي يرى حافظ أنها منزلة البارودي بعد موته ومكانه الأجدر به
لو أنصفوا أودعوه جوف لؤلؤةٍ من كنز حكمته لا جوف أخدودِ
وكفنوه بدرجٍ من صحيفتهِ أو واضحٍ من قيمص الصبح مقدودِ
وأنزلوه بأفق من مطالعه فوق الكواكب لا تحت الجلاميدِ
وناشدوا الشمس أن تنعي محاسنه للشرق والغرب والأمصار والبيدِ
هل تخيلت أن هذه القصيدة لم تُقنع حافظ فاعتذر عن تقصيرها
محمود إني لأستحييك في كلمي حيًّا وميتًا وإن جوَّدت تقصيدي
ما أبدع هذا المعنى حين يستحيي منه وهو ميت فكأنه ما زال شاعرًا مقدَّمًا تخاف أن تنشد أمامه وهو ميت خشية أن تكون مُقصِّرًا عن ذوقه
حقيقةً هذا نص كبير في رثاء الشعراء للشعراء
