
مقال دقيقتان للقراءة
النِّيَّة والضَّمير
النِّيَّة بذرة الغيبْ الخفيّة، والضَّمير مرآةُ الأبد الحيَّة؛ فما صفا باطن الإنسان بنوايا الصِّدق إلَّا أشرقت في عتمة أيّامه شمسُ الحقيقة التي لا تُطفئها ريحُ الزَّيف ولا تُدنسها قشور الظُّهور//__
النيَّة ذلك الخيط الخفيّ الممدود في عتمة الروح حيثُ تُنسج خيوط الأفعال قبل أن تلامس ضوء الواقع فتبصر النَّفس وجوهها الحقيقيَّة عاريةً مِنْ زيف الظُّهور ومنْ رتوش القول كأنَّما هي البذرة الأولىٰ التي ينطوي فيها شجر المدىٰ بأكمله وفي كنفها يختبئ الضَّمير حارساً صامتاً يراقب بصيرة الإنسان كلَّما همَّ بالخُطىٰ أو تقاذفته أمواج الأهواء فما النيَّة إلَّا نبض الصِّدق الأوّل في صدر الغيب وما الضَّمير إلَّا مرآة الأبد التي لا تُطيق غبار الخداع ولا ترضىٰ بالدَّهن والتَّلميع وحينَ تتقاطع طرائق الحياة وتتلاطم ظلال الأقدار يجد المرء نفسه وحيداً أمام محكمة لا ترتدي أقنعة القضاة ولا تصدر أحكاماً تُسمع بل تقرع طبولها في خفاء الصَّدور فكم من فعلٍ زانته بهارج الأرض وفي ميزان النيَّة هباءٌ منثور وكم مِنْ خصلةٍ ضاع صداها في صمت الأيام فما زالت تضيء عتمة الدَّهر لأنَّ صاحبها أراد بها وجه الحقيقة الخالصة وإنَّ العجب العجاب ليسَ في قسوة الأقدار علىٰ البشر بل في لُجاجة النفس الإنسانيّة في خصامها مع ذاتها ومحاولاتها الدّائمة لترويض ضميرها المُتمرد وكأنَّها تظنُّ أنَّ بإمكانها إسكات ذلك الصّوت الأبديّ الذي ينبض بالحقِّ مِنْ خلف حُجب الظَّن والوَهم غير أنَّ النيَّة والضمير هما الجوهر الذي يبقىٰ حينَ تذوبُ القشور وتتطاير الرَّماديات لتبقىٰ الروح عاريةً إلَّا مِنْ صدقها أو مُثقلةً بوزن خطاياها المكتومة في طياتِ الغيب الفسيح.
إشراقة الخاتمة
فليتَ شعري، أيّ جدوىٰ لزُخرف القول إن خذله صدق الطويّة؟ وأيُّ غنىٰ لمن ملكَ خزائن الأرض وأمضىٰ عمره يرتجف خوفاً مِنْ مرآة ضميره؟ إنما هي لحظات عابرة تلك التي يتوارىٰ فيها الحقّ خلفَ رُكام الأكاذيب والمواربة، فما يلبثُ الصبح أن ينبلج ليُسقط الأقنعة ويبقىٰ علىٰ الجوهر نقيّاً مُبرّأً أو مثقلاً بوزن الخذلان. وحينَ يرحل الإنسان عَنْ هذه الدنيا، لا يبقىٰ خلفه صيتُ الأيام ولا بهارج المظاهر، بل يبقىٰ ذلك الأثر الطيّب الذي غرستهُ نية صادقة في صمت الليل، أو ذلك التعب الخفيّ الذي جرّعته إياها نفسٌ لجوج أبتْ إلا أن تعاند النور. فطوبىٰ لمن سلك دروب الحياة بقلب سليم، ونية كالغيث حيثُ وقع نفعٌ، وضمير لا ينام إلا علىٰ رضىٰ الحقّ، فذلك هو الفوز العظيم الذي لا يُعادله كنز ولا يطاله زوال. فما أكثَرَ الذين يرتادونَ دروب الحياة باحثين عَنْ التصفيق، وما أقلَّ الذين ينشدون طمأنينة اليقين في كنف السريرة الخالصة؛ فلنستفق قبل أن ينفرط عقد العمر، ولندع النيَّة صافيةً والضميرُ حيّاً، فما عند اللّٰه لا يُنال بالرياء، وما في الخفاء عاجلًا أم آجلًا إلىٰ الظهور يُنثَرُ؛ فلنطوِ صفحات الغرور، ولنترك أفعالنا تتكلم بصمتٍ نبيل، فما الحياة إلا ومضة بينَ أزلٍ ومهد، وما الإنسان في أخر المطاف إلا ما أستقرت عليه نيتهُ وما سكنت إليهِ سريرته، حينَ تنطفئ أضواء الدنيا ولا يبقىٰ إلا صدق الروح وعُريها الأبدي.
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
