ميم ميم دورا دورا
الغرفة رقم صفر: الخريطة المُمزقة
ميم... ميم... دورا... دورا.
الصدى يتخبط بين جدران البلاط الأبيض كصراخ صرصور ليلٍ مدفون تحت الإسمنت. الشفرة الباردة تلامس لحم الساعد الأيمن، لا كأداة جريمة، بل كفرشاة فنان يعيد رسم خريطة العالم.
الحقيبة الحمراء تقف في الزاوية، عينها البلاستيكية الزجاجية تثبت عليّ بإتهامٍ أخرس. تتساءل: "أين حقيبتكِ يا دورا؟ أين الخريطة؟"
أبتسمُ لها بأسنانٍ ملطخة بصدأ السنين، وأنا أردد النغمة القديمة بصوت متقطع يشبه إحتكاك العظام بالزجاج: "أنا الخريطة... أنا الخريطة!" لكن الخريطة هذه المرة ليست مرسومة على ورق مقوى، بل على بشرةٍ تتشقق تحت المشرط، متعرجة وساخنة، تنزف إحداثياتٍ تقود مباشرة إلى العدم.
طاولة التقطيع: هندسة اللحم والذاكرة
على الطاولة المعدنية الباردة، لا يوجد سوى "هو". أو ما تبقى منه.
كان يوماً شيئاً ما... ربما شريكاً، ربما عابراً تجرأ على سؤال: "من أين تأتي هذه الرائحة يا دورا؟"
أنا لا أقتلُه. القتل تهمة يعاقب عليها القانون البشري الساذج. أنا أقوم بعملية "تفكيك هندسي".
القطعة الأولى: اللسان. ذلك العضو الثرثار الذي إعتاد أن ينطق بحروف إسمي بلا إذن، أستأصله بهدوء وأضعه في برطمان المربى القديم بجوار فتات الخبز المتعفن. طعمه يشبه الفراولة المرّة.
القطعة الثانية: الذاكرة. أفتح القفص الصدري كأنني أفتح خزانة ملابس صيفية قديمة. الأضلاع تنثني بصوت "طقطقة" عذب، أشبه بموسيقى صندوق ألعاب مكسور. أبحث بين الرئتين عن أخطائه، عن وعوده الكاذبة، وعن صوته وهو يقول: "أنتِ مريضة". لا يا عزيزي، أنا المشرط، والمريض هو الجرح الذي يرفض أن يلتئم.
الأصدقاء الجدد: ثالث وعبقري العتمة
المحققون في الخارج يطرقون الباب بأحذيتهم الثقيلة، يصرخون: "إفتحي يا دورا! الشرطة!"
أضحك حتى تدمع عيناي وينزف أنفي. أي شرطة؟ وأين الثعلب المكار "بووتس" ليخلصني؟
بووتس لم يكن ثعلباً... بووتس كان ذلك الظل الذي تركته على الجدار يوم هربت من مصحة "الأمومة المبتورة". كان يهمس لي دائماً: "سرقوا أجزاءكِ يا دورا، وعليكِ إسترجاعها من أجساد الآخرين قطَعاً فقطعاً".
أنظر إلى يدي الملطخة باللون القرمزي القاتم. الأصابع لم تعد تخصني؛ أحدهما يعود لطفلة صغيرة سرقت لعبتي في الحضانة، والآخر يعود لرجل مرّ من تحت نافذتي قبل عشر سنوات ونظر إليّ نظرة إحتقار. أنا أجمعهم هنا... أجمع العالم المبعثر في جسد واحد، أفرغه من تفاهاته، وأعيد ترتيبه بحسب هندسة الرعب السوداء.
النهاية بلا نهاية
تتوقف الساعة الحائطية عن التكتكة. الزمن هنا ليس سهماً مستقيماً، بل دائرة ملوثة بالدماء والتراتيل الطفولية.
أغرس المشرط عميقاً للمرة الأخيرة في منتصف العدم، وأردد بصوت مخنوق يملأ الغرفة المظلمة:
ميم... ميم... دورا... دورا...
عبر الغابات... فوق التلال...
إلى حيث لا يعود أحد.
الحقيبة الحمراء ترمش لي بعينها البلاستيكية، وتغلق جفنيها إلى الأبد.
#قارئ

6 مشاهدة


