
مقال دقيقتان للقراءة
تاريخگ مِنْ وراء قبرك
"الكتابة حفر في صخر العدم؛ ندفن فيها أجزاءنا لنبعث مِنْ وراء قبور الذاكرة طيوراً مِنْ نورٍ لا تحترق بالفناء"
يأتي تاريخ المرء وكأنه مدون علىٰ لوحة خفية في مهب الريح مِنْ وراء قبر الذاكرة حيثُ تتوارىٰ الأجساد وتبقىٰ الأرواح المعلقة علىٰ أطراف الأسئلة الكبرىٰ تفتش عَنْ معنًى يبرر كل هذا العناء الطويل المُسمىٰ حياة إذ لا شيء يشبهُ صمت الموتىٰ بقدر ما تشبهه طمأنينة العُزلة المطلقة التي يختارها الكاتب وهو يراقب العالم مِنْ خلف زجاج الوقت الثخين كأنما ينظر إلىٰ مسرحية قديمة إنتهت فصولها وبقيت أصداؤها تتردد في دهاليز الروح الحزينة إن الإنسان في جوهره كائن مستلب بينَ رغبة جامحة في البقاء وتوق خفي للغياب وربما كانتْ الكتابة هي المحاولة الوحيدة المتاحة لترميم ما أفسدته الأيام مِنْ يقين وما هدمته الخيبات مِنْ جسور الوصل مع الآخرين فهؤلاء الذين يكتبون مِنْ حافة الفناء لا يبحثون عَنْ مجد زائل ولا عَنْ تصفيق عابر بل يحفرون أسماءهم في صخر العدم علّ صوتاً ما يأتي مِنْ المستقبل ليقرأ لوعة الحرف وصدق البوح النابع مِنْ جرح غائر لا يلتئم وحينَ يتحول التاريخ إلىٰ مُجردَّ سردية للألم تصبحُ الكلمات هي العزاء الأخير وربما الوحي الوحيد الذي يقاوم زحف النسيان الكبير ففي كل سطر نخطه علىٰ صفحة البياض نحنُ ندفن جزءاً منا لنبعثه حياً في قلوب مِنْ سيأتون بعدنا ليعيدوا إكتشاف الخراب الجميل الذي تركناه خلفنا طوعاً أو قسراً وتظل الأسئلة الوجودية المعلقة بلا جواب هي المنسج الذي تُحاك عليه كل هذه النصوص المتمردة علىٰ حدود المألوف والمنفلتة مِنْ حبال الزمن لأن الحقيقة العميقة لا تدركها إلا الأرواح التي ذاقت طعم الفقد وعاشت علىٰ أطراف الحلم تتأمل طيف الغائبين وتستنطق الحجارة والرماد حتىٰ ينطق الحرف شعراً ونثراً وفلسفة لا تموت بإرتطامها بواقع فارغ بل تظل تسبح في ملكوت الروح كأنها طائر أسطوري ينفض عَنْ أجنحته غبار الموت ليُعانق أفق الخلود الباقي ما بقي الإنسان يبحثُ عَنْ ذاته في أعماق السقوط والإرتقاء معاً //__
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
