
مقال دقيقتان للقراءة
سقوط صامد
"السقوط الصامد ليسَ إنكساراً، بل هو صعود معكوس تختبر فيه الروح صلابة معدنها حينَ تنهار الأرض مِنْ تحتِ أقدامها، لتصنع مِنْ قاع الهاوية صخرة صُلبة لفجر جديد."
يسقط المرء أحياناً لا كمن هوىٰ في بئر مظلمة بل كمن تسلل إلىٰ جوهر الأرض ليختبر ثباته الأخير إن السقوط في معناه الوجودي العميق ليسَ نقيضاً للوقوف بل هو وجهه الآخر الأكثر نضجاً وصلابة فمن لم يجرب طعم الهاوية لا يدركُ تماماً قيمة التراب تحتَ قدميه وحينَ يكون هذا السقوط صامداً فإنه يتحول مِنْ مُجردَّ تهاوٍ عبثي إلىٰ طقس تطهير روحي يتجلىٰ فيه الإنسان بكامل عُريه وصدقه أمام ذاته والكون إن الصمت هنا ليسَ علامة إنكسار أو إستسلام للقدر المحتوم بل هو الصمت الذي يسبق العاصفة أو ذلك السكون الذي يعقب إصطدام الروح بقاع الواقع العنيف لتبدأ رحلة إعادة البناء مِنْ الصفر فالصمود في قلب الهاوية يتطلب شجاعة نادرة شجاعة النزول إلىٰ الأعماق دونَ صراخ والتسليم المؤقت بقسوة الجاذبية كي لا تضيع ما تبقىٰ مِنْ طاقة الروح في مقاومة عمياء لا جدوىٰ منها وكأن الإنسان في هذه اللحظة يبرم معقداً سرياً مع مصيره يرتضي فيه الإنحناء مؤقتاً لتمر عواصف الوجود العاتية فوق رأسه دون أن تقتلع جذوره الخفية الممتدة في عمق الذاكرة والأمل إن الكلمات تفقد جدواها حينَ يصبح السقوط فعلاً وجودياً خالصاً وتتلاشىٰ العناوين والفواصل التي طالما رتبنا بها حياتنا الزائفة لأن الهاوية لا تعترف بالحدود الإصطناعية ولا تفهم لغة التصنيفات البشرية بل تُعيدُ صياغة الكائن الإنساني بوصفه كتلة واحدة مِنْ الألم والوعي والتحمل فالصامد لا يصرخ لأنه أدرك بفطرة العارف أن الصراخ يتبدد في الفراغ بينما الصمت يتماسك وينمو ليصبح درعاً خفياً يحمي ما تبقىٰ مِنْ كرامة الروح الساقطة نحو الأعلىٰ إن جاز التعبير لأن السقوط الصامد هو في حقيقته صعود معكوس يختبر فيه الإنسان صلابة معدنه ويقيس مدىٰ قدرته علىٰ الإحتمال حينَ تخذله كل الأكتاف التي أستند إليها يوماً ما وحينَ تتهاوىٰ الأوهام التي طالما نسجها حول مستقبله ليجد نفسه وحيداً فريداً في مواجهة مرآة الحقيقة المطلقة حيثُ لا ينفع الندم ولا تجدي الشكوىٰ بل يبقىٰ خيار واحد لا ريب فيه إما أن يتفتت تحتَ وطأة الضغط وينثر رماده في مهب الريح أو أن يجمع أشتات روحه المبعثرة ويصنع من قاع السقوط صخرة صلبة ينطلق منها نحو فجر جديد لم تلوثه بعد أحلام اليقظة الزائفة إن هذا السقوط المصحوب بصلابة صامتة يعلمنا أن الحياة لا تُقاس بعدد المرات التي وقفنا فيها بشموخ مزيف بل تُقاس بقدرتنا علىٰ البقاء متماسكين حينَ تنهار الأرض مِنْ تحتَ أقدامنا ونبقىٰ رغم كل شيء نحمل في أعماقنا جذوة خفية مِنْ النور ترفضُ الإنطفاءَ حتىٰ في أشد لحظات العتمة قسوة ووحدة وتوحشاً//__
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
