
مقال دقيقتان للقراءة
فِكْرٌ مُتَعَنِّتْ: قَسْوَةُ اليَقِينِ فِي عَالَمٍ يَتَحَرَّكْ
"اليقين المُطلق قفصٌ مِنْ حجارة، والتواضع المعرفي جناحٌ يطيرُ بالعقل في فضاء الحياة."
حينَ يرتدي الفكر درعَ اللامبالاة بالإحتمالات، ويغلق دونه نوافذ الريح، يتحول إلىٰ قلعةٍ حجريةٍ شاهقةٍ لا تضرها عواصف التغيير، ولكنها تُعاني وحشة الإنعزال. إن "الفكر المُتعنت" ليسَ مُجردَّ عنادٍ عابرٍ أو تمسكٍ برأي في لحظة غضب؛ إنه حالة وجودية مُعقدة، يقيم فيها العقل في برجٍ عاجيٍّ مِنْ المُسّلمات المُطلقة، رافضاً أن تلامس رياح الشك الطاهرة جدرانه المنيعة. 1. صلب العزلة الذهنية: حينَ تصبح الأفكار تماثيل من مرمر في البدء، تكون الفكرة بذرةً طريةً تتغذىٰ علىٰ تساؤلات الروح وخصوبة الحيرة. لكن الفكر المُتعنت يأبىٰ إلا أن يحجر هذه البذرة، فيحولها إلىٰ تمثالٍ مِنْ مرمرٍ أصم. لا يرىٰ صاحب هذا الفكر في التردد فضيلةً، ولا يقرأ في تعدد الزوايا ثراءً، بل يراها خيانةً صريحة للثوابت التي رسمها لنفسه بحافر مِنْ حديد. هُنا، يغدو اليقين سجناً، والمنطق أداةً دفاعية شرسة لصدّ أي غزوٍ معرفي وافد. وكأن العقل قد أغلق بابه بالمزاليج، وإبتلع المفتاح، مُكتفياً بصدىٰ صوته وهو يردد قناعاته الأزلية في ممراته الخالية. 2. لغة الجدران العالية: التصلب في مواجهة سيل الحياة الحياة بطبيعتها سيلٌ جرّار، مُتدفّق، ومُتغير بلا توقف؛ نهرٌ لا يمكن لأحد أن يخطو فيه مرتين. وفي المقابل، يقف الفكر المُتعنت كسدٍّ خرساني يرفض الإعتراف بقانون الحركة. إنه يعتقد واهماً أن بإمكانه إيقاف الزمن بتثبيت المفاهيم في قوالب أبدية. هذا التصادم الحتمي بينَ مرونة الوجود وجمود الفكر يولد مأساةً خفية: فكلما تقدم العالم خطوة نحو التعقيد والتنوع، تراجع الفكر المُتعنت خطوتين إلىٰ الوراء، متشبثاً بتبسيطاتٍ مفرطة، وبأبيضٍ وأسودَ يلغيان كل درجات الرمادي العذبة التي تصنع جمال الحياة ووعيها الحقيقي. "العقل المتقوقع حول ذاته يشبه المرآة المصقولة بعناية فائقة، لا تعكس سوى وجه صاحبها، متجاهلةً سحر المشهد الواسع الممتد خارج الإطار." 3. جمال التراجع العظيم: هل مِنْ منقذٍ مِنْ أسر اليقين؟ أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان ليست تلك التي ينتصر فيها علىٰ خصومه في الخارج، بل هي تلك التي يهزم فيها غرور أفكاره المُسبقة. التحرر مِنْ أسر الفكر المُتعنت لا يعني الهزيمة، بل هو الإرتقاء الأسمىٰ نحو الحرية الداخلية. وحينَ يجرؤ العقل علىٰ خلع عباءة اليقين المطلق، وإرتداء رداء التواضع المعرفي، فإنه لا يفقد هويته، بل يكتشف أفقاً جديداً أرحم وأرحب. يصبح الحوار جسراً لا جداراً، ويتحول الآخر مِنْ "خصمٍ يجب دحره" إلىٰ "مرآةٍ تكمل النقص الدفين في رؤيتنا". خاتمة: نداء إلىٰ الروح الحرة إن الفكر المُتعنت – مهما بدا قوياً ومُهيباً – يظل كالشجرة اليابسة التي تكسرها الريح العاتية لعدم مرونتها، في حين تنجو العشبَة الناعمة بإنحنائها الواعي. لنجعل مِنْ عقولنا بساتين مفتوحة للنسيم، لا حصوناً مغلقةً علىٰ الأشباح؛ فلن تكتمل معرفة الإنسان إلا حين يدرك أن أعظم ما يمكن أن يتعلمه، هو أنه لا يزال هُناك مُتسعٌ هائلٌ لما لا يعلمه.
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
