
مقال دقيقة للقراءة
مَشيمةْ العقل
«في رحمِ الفكر الخفي، يتغذىٰ جنين الحقيقة علىٰ دماء الحيرة والدهشة، ليولد العقل مِنْ مخاض التساؤل كائناً أزلياً يُقاوم الفناء بمعناه»
تتسللُ الأفكار إلىٰ رحم الوجود البشري كأجنة خفية تتغذىٰ مِنْ صمت الكون وغياهب الوعي الباطن لتبحث عَنْ موطئ قدم لها في النور وتلك المشيمة الخفية التي تربط بينَ روح الكائن وكونه الأرحب ليستْ سوىٰ معبر سري تعبرُ عبره أسرار الوجود لتتجسد صرخات وأبجديات وتأملات تقاوم الفناء بشتىٰ الطرق العقل الإنساني في معراجه الطويل لا يعود مُجردَّ آلة للحساب أو وعاء للمعلومات بل هو كائن حي ينبض بالدهشة ويتشرب الأسئلة الكبرىٰ كالأرض العطشىٰ لمطر السماء وحينَ تلتصق جذور الفكر بأعماق الروح تنشأ تلك الشراكة الخفية التي تغذي الوعي بغذاء الوجود الأبدي فتتكدس الأطياف والصور لتشكل جنين المعرفة الذي طالما إنتظرته حواضن الإدراك لتنقله مِنْ عتمة العدم إلىٰ ضياء التحقق إنها رحلة شاقة وطويلة تلتقي فيها لغة الحدس بصرامة البرهان حيثُ يتغذىٰ العقل مِنْ دماء الحيرة وشغف التساؤل متبلوراً في قوالب مِنْ الجمال والشجن والألم المفضي إلىٰ الحكمة وكل فكرة تولد في هذا المحراب إنما هي صرخة إحتجاج في وجه الفناء ومحاولة يائسة وبسيل في آن واحد لترويض هذا العالم الهائج ووضعه في نصاب المعنىٰ فالمشيمة الفكرية لا تمنح الغذاء فحسب بل تمنح الهوية والملامح وتطبع الروح بطابعها الخاص الذي لا يشبههُ طابع آخر فكيف لا ونحنُ نرىٰ الفلاسفة والشعراء والحكماء يعبرون هذا الجسر الدقيق وهم يحملون علىٰ أكتافهم أثقال الأسئلة المُعلقة بينَ الأرض والسماء مُتجرعين مرارة اليقين والشك معاً في طقس صوفي لا ينتهي مِنْ المكابدة والطلب المستمر لجوهر الحقيقة العارية مِنْ كل زيف والمتحررة مِنْ قيود المكان والزمان فالعقل إذن ليسَ سوىٰ ذلك الكائن الذي يحمل في جوفه بذرة الكون كله منتظراً لحظة المخاض الكبرىٰ التي ينفتح فيها الوجود علىٰ مصراعيه ليُعلن ميلاداً جديداً يتجاوز حدود الجسد والمادة إلىٰ آفاق الروح والخلود.
#إيالاڤيا #مجتمع #لاڤينيا_عيسىٰ
