البئر الذي كان يمضغ القات
في طرف القرية، كان هنالك بئر قديم يعرف أسماء العطشى واحدًا واحدًا.
لم يكن عميقًا كما كان في الماضي فقد أخذ ماؤه يتراجع عامًا بعد عام... حتى صار الدلو يعود من جوفه مبللا بالخيبة.
ذات صباح...
سمع البئر صوتًا تحت الأرض، كأن أحدًا يمضغ شيئًا في أعماقه.
أصغى جيدًا...
فاكتشف أن جذور شجرة القات المجاورة له كانت تتحرك في الظلام، وتمتد نحوه كل ليلة، تبحث عن قطرة لم يعد يملكها.
قال لها:
إلى أين تأخذين ما تبقى من مائي؟
لم تجبه، فقد كانت مشغولة بمد جذورها.
وفي الجهة الأخرى من القرية، كان رجل يرش أغصان القات بمادة غريبة، يرتدي قفازين ويضع على فمه كمامة.
سأله طفل كان يراقبه:
لماذا تغطي وجهك وأنت ترش الشجرة؟
قال الرجل:
حتى لا أستنشق ما أرشه.
نظر الطفل إلى الأغصان، ثم إلى وجه الرجل، وسأله:
ومن يحمي الذين سيأكلونها؟
لم يجد الرجل جوابًا، وأعاد إغلاق العبوة.
كان على ملصقها تحذير صغير، كُتب بخط باهت، بينما بدا اسم المادة أكبر من أن يقرأه أحد.
في المساء، اجتمع رجال القرية في مجلس القات.
جلسوا متقابلين، وتبادلوا الحديث عن قلة الأمطار، وجفاف الآبار، وغلاء الماء الذي صار يصل إليهم محمولًا على ظهور السيارات.
قال أحدهم:
لم تعد الأرض كما كانت، حتى البئر الذي سقى آباءنا جف.
هز آخر رأسه وقال:
لا بد أن نجد حلًا قبل أن ينفد الماء.
كان البئر يسمعهم من بعيد.
تحامل على حافته الحجرية، ونهض بصعوبة، ثم سار نحو المجلس مستندًا إلى عكازين من الخشب.
دخل عليهم، فصمتوا جميعًا.
قال كبيرهم:
أهلًا بالبئر، تفضل، ما الذي جاء بك؟
نظر إليهم البئر، ثم قال:
سمعتكم تتحدثون عن العطش، فجئت أطلب منكم غصنًا أمضغه معكم.
ضحك بعضهم، بينما أخفى آخرون وجوههم.
قال أحدهم:
وهل تمضغ الآبار القات؟
أجاب البئر:
لا أعرف، لكنني أردت أن أتذوق الشيء الذي تشربه جذوره من دمي كل يوم.
ساد صمت ثقيل.
ثم اقترب من أحد الجالسين، وتأمل الغصن في يده، وقال:
غريب طعمه هذا الذي تأخذونه مني، أخضر في أفواهكم، وجفاف في جوفي.
لم يرد أحد.
وفي تلك اللحظة، سقطت من سقف المجلس قطرة ماء.
رفع الجميع رؤوسهم.
ثم سقطت قطرة ثانية، وثالثة، حتى ظنوا أن المطر بدأ يهطل.
مد أحدهم يده ليتأكد أنها ماء، فوجد على كفه ورقة قات خضراء.
تراجع الجميع عن أماكنهم، وحين نظروا إلى الأرض، لم يجدوا ماءً، بل أغصان قات صغيرة تنبت بين أقدامهم.
اقتلعوها، فامتدت جذورها إلى الأسفل، واختفت في شقوق الأرض.
وفي الصباح، استيقظوا وقد نبتت أغصان القات من أفواههم.
كان كل واحد منهم يفتح فمه للكلام، فتتدلى من شفتيه أوراق خضراء، وتمتد الأغصان كلما ارتفع صوته بالشكوى من انقطاع الماء.
أما جذورها، فقد أخذت تتسلل تحت البيوت، وتحفر طريقها نحو الآبار الجافة.
وحين أطلق أحدهم صرخة استغاثة، خرج من فمه غصن طويل، وعلى آخر ورقة منه قطرة ماء صغيرة.
مد يده ليلتقطها، لكنها سقطت على الأرض، فامتصها التراب قبل أن تصل إلى يده.
أما البئر، فعاد إلى مكانه عند طرف القرية.
كان أعمق صمتًا من ذي قبل، وعلى حافته نبت غصن أخضر صغير.
لم يعرف أحد من أين جاء.
لكن البئر كان يعرف.
فقد كانت آخر قطرة في جوفه قد غادرت قبل أن ينتهي المجلس.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مر عابر بجانب البئر، سمع صوتًا خافتًا يصدر من أعماقه:
ليست الأرض بئرًا مفتوحة الفم إلى الأبد.
#حكاية_شعبية #سريالية #اليمن #القات #المياه
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎


1/2
11