شُعَراءُ جِنِّ وَادِي عَبقَر
لم تكن العبقرية يوما مجرد جينات متوارثة أو نتاج تدريب عقلي صارم في مخيلة العرب القدامى، بل كانت سرّا سماويا يمتزج بالسحر، ومسّا خفيا تلتقي فيه عبقرية الإنسان بجموح الماورائيات. وفي قلب الصحراء العربية، حيث يلف الغموض رمال البادية، صاغ الخيال الجاهلي تفسيرا مدهشا لكل موهبة فذة تعجز العقول عن إدراكها، واختصروا هذا اللغز في موضع أسطوري أسموه "وادي عَبْقَر".
هذا الوادي الذي اعتبروه موطنا للجن وبقعة خارج حدود الزمان والمكان، لم يكن مجرد خرافة عابرة، بل تحول إلى جذر لغوي ألهم البشرية جمعاء؛ فمن صخب شياطينه ووليد خيال شعابه، وُلد مصطلح "العبقرية" ليكون عبر العصور والأزمنة صكا يُمنح لكل من يملك ذكاءً نادرا أو يبتكر أثرا يتحدى النسيان.
لم يكن العرب القدامى يعترفون بأن الشعر مجرد موهبة بيولوجية، بل كانوا يرونه مسّا من قوى خارقة، ومن هنا نشأت أسطورة الوادي باعتباره عاصمة لجنٍّ فصحاء لا ينطقون إلا بالبديع من القول.
ووفقا لما خلّفته كتب الأدب والتراث، مثل جمهرة أشعار العرب، التي ساد فيها الاعتقاد بأن لكل شاعر جاهلي فحل قرينًا أو شيطانًا من هذا الوادي يلقنه قصائده ومعلقاته.
فزعموا أن "لافظ بن لاحظ" هو الشبح الذي يقف خلف معلقات امرئ القيس، وأن "مسحل السكران بن جندل" هو ملهم الأعشى في شعره وصخبه، بينما كان "جالد بن ظل" هو المحرك الفني لفروسية وشعر عنترة بن شداد و "هاذر بن ماهر" قرين النابغة الذبياني.!
ولم تتوقف الأسطورة على مجرد إلقاء الشعر، بل امتدت لتشمل صراع النفوذ بين شياطين الشعراء أنفسهم؛ إذ تروي كتب التراث محاورات ومناظرات عجيبة دارت بين شعراء الإنس وقرنائهم من الجن، حيث كان كل شاعر يتباهى بأن تابعه من وادي عبقر هو الأقوى والأفصح. وثمة خيوط خفية تربط هذه الأسطورة العربية بآداب الأمم الأخرى؛ فاليونان القدامى كان لديهم مفهوم "ربات الإلهام" اللواتي يمنحن الفنانين طاقة الإبداع، مما يوضح أن العقل البشري القديم في مختلف الثقافات كان يميل دائماً إلى تبرير الابتكار الاستثنائي بإرجاعه إلى قوى ميتافيزيقية غيبية.
ولم تتوقف الأسطورة عند هذا الحد، بل سارت خرافة بين الركبان تقول إن من ضلّ طريقه في الصحراء وأمضى ليلة واحدة في وادي عبقر، فإنه يستيقظ في اليوم التالي إما شاعرا يفلق الصخر بيانًا، أو مجنونا يهذي بأسرار غيبية.
وإذا كانت قصة الوادي خيالية، فإن أثرها اللغوي حقيقة لا تقبل الجدل، حيث يُجمع علماء اللغة على أن العرب كانوا إذا رأوا حياكةً ثوبٍ بالغة الإتقان، أو ذكاءً خارقا، أو عملا يعجز عنه السواد الأعظم من الناس، نسبوه إلى هذا الوادي مجهول المعالم وقالوا "هذا عَبْقَرِيّ"، أي كأنه من صُنع جن عبقر.
ومع مرور القرون، تعاقبت الأجيال وتلاشت الخرافات، لكن اللفظ بقي حيا، فتحولت العبقرية من نسبةٍ إلى موطن الجن، إلى مصطلح علمي ونفسي يُطلق على الذكاء النادر والابتكار الفذ، بل وانتقلت مجازا إلى اللغات الأجنبية لتعبر عن المفهوم ذاته وارتباطه بالروح الملهمة.
حين نبحث عن إحداثيات هذا الوادي على خرائط الواقع، نجد أنفسنا أمام تباين بين الرواة والمؤرخين؛ إذ تشير بعض الروايات التاريخية القديمة إلى أن الوادي يقع في مناطق سحيقة ونائية جنوب الجزيرة العربية، وتحديدا في الأطراف الحدودية بين اليمن وسلطنة عُمان الحالية.
وفي المقابل، يرى قطاع آخر من الإخباريين أن عبقر موضع في نجد أو أرض الحجاز، نُسب تاريخيا إلى قبيلة بدوية قديمة بائدة كانت تُدعى بنو عبقر .
أما المنظور العلمي والمعاصر، فينظر إلى الوادي باعتباره مكانا رمزيا وليس بقعة جغرافية حقيقية، فالبيئة الصحراوية القاسية، مع الليالي الموحشة وهدير الرياح في الشعاب، كانت تشكل بيئة مثالية لولادة مثل هذه الأساطير لتفسير ظواهر بشرية عجزوا عن فهمها بأدوات ذلك العصر.
وفي النهاية، يبقى وادي عبقر واحدا من أجمل الشواهد على ثراء المخيلة العربية القديمة، فرغم أن الوادي قد لا يكون له وجود حقيقي على الأرض، ورغم أن شياطينه لم تكن سوى انعكاس للموهبة الإنسانية الدفينة، إلا أنه نجح في تخليد اسمه، ففي كل مرة ننعت فيها شخصا بالـ "عبقري" نحن دون أن نشعر، نستحضر أسطورة جاهلية عمرها آلاف السنين، بدأت من وادٍ مهجور في جوف الصحراء.
#الموروث_الشعبي
#الشعراء
#عبقري
#مجتمع_عام
10