غَرِيقُ_نَهْرِ_(جُولِيبَا)
في الوقت الذي تمر الدولةُ بظروف عصيبة، وبات الاطمئنان في غرفة مقفَلةٍ ضاع مفتاحها عن العالم، وأصبح الأمان أولُ الأولويات، وأضحى السَّلام مجرد رسم على الورقة البيضاء مفقود جوهره، وظل الناس همّهم الوحيد هو العيش بسلامٍ آمنين؛ لما يعانون من أشد أنواع المعانات، وأمسى كل المشاورات هو اتخاذ التدابير اللازمة للبقاءِ على قيد الحياة، والبحث عن الاستقرار لا زال مستمرا، والسِّلم معروضٌ للباحثين ليتناولوه بشكل جيد كي يصلوا إلى نتيجة يفرض على العالم تطبيقها، ولا نسمع صيحة إلا وحسبناها قضاءً على قريةٍ أو هجوما على مدينة، في حين يظهر شاب طائش يزعم أنه ضاق به الأرضُ بما رحبت، وضاق به الفضاءُ بما اتسعت، والهموم تعتلج بصدره، محمِلاً على عاتقه كابوسًا ثقيلاً، وسئمَ تكاليفَ الحياة، وتكهّن بأن نفَسه صار محدوداً، والرزقُ المكتوبُ له في اللوح المحفوظ أوشك على النَّفاد، لم يعد يرى للحياة قيمةً، والدنيا لا تساوي أمامه جَناح بعوضةٍ.
التزامًا لأوامرِ النَّفْس الموسوِسة، خضع لوساوس القلب، وانقاد لما يدور في خَلَدِه، ونيران الشِّجار مشتعل بين الروح والجسد، كل ضاق بصاحبه ذرعا، والفراق بينهما مخطط لأجله، وخرج الأمرُ من الوَسْوَسَةِ إلى قرارٍ لا يقبلُ النِّقَاشَ، فقرر الهجرةَ من دار الفَناءِ إلى دار البَقاءِ، ولكن لم يكنْ لِيعرفَ ألاَّ يُنفَّذُ كلُّ القرار، أخذ الرَّجلُ يفكِّر بالطريقة المناسِبة له للتخلُّص من الحياةِ؛ لأنه فقد آخر الخيط من الأمل، وانتهى به تفكيره أن رأى الشَّنقَ عن يمينه، والخيبةَ عن يساره، والغرَقَ عن أمامه، فطفِق يذهب إلى النهر (نهر جوليبا) بين الفينة والأخرى، يتنزه ويستنشق بالرائحة العطرة، مستمتعا بخَرير الماءِ؛ ليخفّفَ عن نفسه نكبات الدهر، وراحت الأيام وجاءت الأيام ولم يزل هكذا، يتحين الفرص لرحلة لا عودة منها، لم يشاور أحدا ولا أوصى بوصية، ولا استخار الله فيها؛ لأنه إن فعل واحدا من هذه قد يكون سببا للعدول عن فكرة السفر أو الانثناء عن قراره، تفاديا لهذه الأمور أبقى الأمرَ على طيّ الكتمان، لا أحد يعرف ما تضمُّ عليه جوانحه، وما يخفيه صدره إلا الله.
كما يقول المثل المالي: "أن تقصد النهرَ أفضلُ من الدورانِ حوله" وفي يوم الفاجعة تنفَّس الصبح وهتك الشمس ستر الظلام وأرسلت أشعتها البيضاء، والمهموم مدبِّرٌ أمرَه متجهِّزٌ لسفره، والنهر متدفق أمواجه مسبحة لربها لا يميِّز أبناءه من غيرها، كل من يغوص فيه فهو مسؤول عن نفسه، فجأةً رمى نفسه في النهر، ليعجّلَ نفسه إلى دار القرار، وبئس القرار، فقبِله الموجُ على الرحب والسعة، يطفو حينا ويرسُب آخر، حتى بلغ منه الجَهد أو كاد، وأسر الندامةَ لما رأى الموت، لحسن الحظ كانت الفاجعة على مرأى من المشاهدين، فندِبوا الملاحين لإنقاذه، حيث كانوا يصطادون الأسماك بالقرب منه، فهرول أحدهم إليه يتبع على أثره، حتى إذا أدركه فأنقذه وجعله في القارب، قبل أن يركب به سأله قائلا: يا أخي ما الذي أدى بك إلى هذا؟
مع الأسف، لات حين سؤال!
فأجابه بكلمة: أنقذني أولاً.
وهكذا صادفته العناية ونجا من الموت.
وَإِذا العِنَايَةُ لا حَظَتكَ عُيونُها ## نَمْ فَالمَخاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمانُ
لا أدري هل مصطفى صادق المنفلوطي كان يقصد أهل عصره حين قال عبارته مخاطبا الدهر: " أيها الدهر لك أن تُخرج من الدنيا من تشاء وليس لك أن ترد إليها من يخرج منها" النظرات.
يا أديب المنفلوطي، الآن تغيرت الأمور وانقلبت الموازين، لقد أصبح الدهر اليوم قادرًا على ما كان عنه بالأمس عاجزا، اليوم علم الدهر أن أبناءه يحاولون الخروجَ من الدنيا بأمور ليست مبررًا كافيًا للخروج منها، يجعلون من الحبة قبةً ومن الحصاة جبلًا؛ لذا يمنعهم من الخروج ويرفض طلبهم وهو محق لما يفعله.
بفضل الله تَنفَّس الصُعَداء ونجا المسكين من الموت بعد أن ذاق مَرارته، قد كان يظن أنه يشرب كأسَه سهلاً سائغًا، لكن الموت ليس الباب الذي تقتحمه بكل سهولة، إذا آن أجلك أتى إليك دون أن يتأخر ساعة، وإن لم يئن لن يأتي بطلبك، وليس لك سبيل للوصول إليه مهما اتخذت لذلك أسبابا.
يا أيها الذي عدا على عاديةُ المحن، ونكبك الدهر نكبة عظمى، وعرَكتك صروف الدهر عركَ الحرى، هون على نفسك فالحياة أقصر من أن تعيشها في النكد، لا ينبغي لك أن تستسلم لليأس، فالرحمنُ لا يحب اليائسين، بل الذين يمدُّون إليه أيديهم والرجاء شعارهم والطمع دثارهم.
#نهجر_جُولِيبَا: فرع نهر النيجر الذي يمر ببماكو عاصمة مالي.
#عبد_السلام_غندو
23 مشاهدة