نــدبـة: الخـواء الجـائع 🌑🩸
نحن البشر نتعلم دروسنا بالألم، لكن بعض الدروس لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر بالمشارط في عتمة غرف العمليات.
الندبة التي تشق أسفل بطنها لم تكن يوماً علامة على الشفاء، كانت "نافذة".. نافذة تركتها يد الجرّاح مواربة، تسمح لشيءٍ ما بالدخول، وتمنع السكينة من العبور.
خط أفقي قبيح، يشبه فماً مخيطاً بغرزٍ غليظة. في سكون الليل، عندما يصمت العالم، يبدأ الخط بالنبض. ليس نبض القلب، بل نبض الانتظار. لم يكن صامتاً، كان يهمس بأسماءٍ لم تُسجل في دفاتر المواليد، أصوات رفيعة كخدش الأظافر على المعدن، تناديها من الداخل:
"أمي.. افتحي لنا.. المكان بارد ومظلم هنا"!
طفلان عبرا جسدها.. هكذا أخبرها الأطباء. لكنها تعرف الحقيقة التي يرفض العقل تصديقها. لم يغادرا قط. لقد سحبتهما الندبة إلى ذلك الفراغ الساكن في أحشائها؛ ذاك الخواء الذي تحول إلى سرداب لا ينتهي. في كل مرة كان يُفتح فيها جسدها، كانت تشعر ببرودة غير بشرية تتسرب من الشق، وكأن المشرط لم يكن يخرج جنيناً، بل كان يفتح ثقباً في جدار العدم.
تضع يدها على بطنها، لا لتتحسس الفقد، بل لتتأكد أن "الشيء" الذي يسكن هناك لا يزال هادئاً. أحياناً، تحت جلدها مباشرة، تشعر بحركة غريبة؛ ليست ركلة طفل، بل سحبة حادة، كأن أصابع صغيرة ومدببة تحاول تلمس طريقها للخروج عبر النسيج الميت للندبة.
في ليلة حالكة، شعرت بالوخزة مجدداً. كانت أقوى هذه المرة.. وأكثر حِدّة. نظرت إلى المرآة، فرأت الخيوط القديمة للندبة تتمدد وتتمزق ببطء، ينبعث منها ضوء باهت بلون الكبريت. لم تصرخ، فالفم المشدود بالصمت منذ سنوات فقد القدرة على النداء.
تحسست العدم، فوجدته قد امتلأ.. امتلأ بشيءٍ صلب، بارد، وكثير الأطراف. سألت نفسها في جنون: "ألا أستحق؟".
وجاءها الرد من أسفل جلدها، صوتٌ مزدوج، يجمع بين بكاء رضيع وزمجرة وحش:
"أنتِ لا تستحقين الحياة.. أنتِ الآن مجرد وعاء لنا".
توقفت عن التفكير في الشفاء. الشفاء للأحياء، وهي الآن جزء من عالم آخر. استسلمت للسكون، بينما بدأت الندبة تفتح فمها الحقيقي لأول مرة.. ليس لتخرج حياة، بل لتبتلع ما تبقى من النور في الغرفة.
آمنت أخيراً أن الجسد الذي احتمل عبور الموت مرتين، لم يصبح صلباً ليعانق الحياة.. بل أصبح قفصاً، والآن.. انكسر القفل.
#ندبة | #قصص_رعب | #رعب_نفسي | #حرف_ن
#غموض | #كوابيس | #قصة_قصيرة

13