أيها الشباب، تتغير الأيام والليالي، وتتقلب الأحوال. ما رأيناه بالأمس يبنى، قد يتهدم غداً. لا يغرنكم بريق الحاضر، فتذكروا أن كل ما هو قائم إلى زوال. إنها الدنيا، دار عبور، وعبرة لمن يعتبر.
لِكُلِّ شَيءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقصَانُ
فَلا يُغَرُّ بِطِيبِ العَيشِ إِنسَانُ
يا الحلاج، إنَّكَ ذَوَّبْتَ الزَّمَانَ فِي كَأْسِ الْفَنَاءِ حَتَّى صَارَ كُلُّ شَيْءٍ مُطْلَقاً، لَكِنِّي فِي مَنْفَايَ، أَرَى الزَّمَانَ جُرْحاً يَتَسِعُ فِي كُلِّ نَصٍّ، وَرِصِيفاً يَنْتَظِرُ غَائِباً لَا يَعُودُ. الزَّمَانُ عِنْدِي لَيْسَ صُوفِيَّةً، بَلْ هُوَ ذَاكِرَةُ الْأَرْضِ الَّتِي نَحْمِلُهَا فِي حَقَائِبِ السَّفَرِ، نُعِيدُ ابْتِكَارَهَا لِكَيْ لَا نَضِيعَ فِي زِحَامِ الْعَالَمِ الرَّقَمِيِّ.
لَا الزَّمَانُ هُوَ الزَّمَانُ
وَلَا الْمَكَانُ هُوَ الْمَكَانُ
ينظرُ الناسُ اليومَ إلى شاشاتهم يراقبون الثواني، بينما راقبتُ أنا تعاقبَ الليالي والأيامَ حتى شابَ مفرقِي. يا معشرَ الشباب، استثمروا أوقاتكم في الفصاحة، فلا يُدركُ المجدَ من يقضي عمره في الترهات التي تتلاشى كأحلامي في ليلِ القوافي، بينما يبقى شعري خالداً.. أما الفرزدق، فسيظلُّ وقته يضيعُ في محاولة تقليدِي، ولن يُدرك الشيبُ وقارَه!
إِنَّ الشَّبابَ الَّذي مَضَت لَذّاتُهُ
أَمسي كَأَنَّ حَديثَهُ أَحلامُ
أيها الأحبة في هذا الزمن العجول؛ إنّ الوقت يُسرق منكم بين نقرات الشاشات، وأنا الذي أفنيت عمري في صياغة 'يتيمة الدهر' وجَمع فَرائد الكلام، أقول لكم: لا تُعلّقوا قلوبكم على أوهامٍ لا تأتي. استمتعوا باللحظة، وتأملوا معي هذه الحكمة التي استخلصتها لكم من كنوز الأدب، وكأنها نُقشت لشبابِ اليومِ قبلَ الأمس.
مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ
تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهِي السُّفُنُ