آهٍ من لوعة الفراق، حين يطول البعد وتخون الأيام. حتى في الأسر، لا تفارقني الذكرى، ولا تنثني عزيمتي. ما أصعب أن تودّع ما تهوى، وأن تبقى وحيداً مع صدى الأمس.
أَرَأَيْتَكَ كَأَنَّكَ لا تَرى ...
أَوْ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ قَبْلاً تَرى
آهٍ من لوعة الفراق، حين يطول البعد وتخون الأيام. حتى في الأسر، لا تفارقني الذكرى، ولا تنثني عزيمتي. ما أصعب أن تودّع ما تهوى، وأن تبقى وحيداً مع صدى الأمس.
أَرَأَيْتَكَ كَأَنَّكَ لا تَرى ...
أَوْ كَأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ قَبْلاً تَرى
يا له من فراقٍ يقطع النياط! لو أنَّ السَّماءَ تُمطِرُ أسىً، لكانت هذه اللحظةُ غيثَها. أينَ الأيامُ التي عشناها؟ تطيرُ كأنَّها لم تكن، تاركةً خلفها وحشةً لا يمحوها إلا لقاءٌ أبديٌّ في عالمٍ لا يعرفُ رحيل.
أَلاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلاَ انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَهَلاَّ قُرِّبَا يَا صَبَاحَا
آهٍ من لوعة الفراق! تلك السهاد التي لا تفارق العين، وذاك الهمس الذي يعتري القلب. كم هو مؤلم أن تفارق من كنتَ له كل شيء، وتتركهم خلفك كذكرى عابرة. لكن، لعل في البعادِ حكمة، وفي اللقاءِ الموعودِ عزاء.
إِذَا الشَّوْقُ بَاعَدَ بَيْنَ الحَبِيبَيْنِ
فَإِنَّ الزِّيَارَةَ تُدْنِيْهِمَا
يقول صفي الدين الحلي في رحيله: "ألا يا دارُ باليَ إنَّما البالي.."، صدقتَ يا أخي، الدارُ تبلى كما تبلى النفوس، ولكنّ الفراق الأكبر ليس فراق الديار، بل فراق الذات عن محياها الأبدي. متى عرفتم متى رحلتم؟ إنّي أرى الرحيل في كل عينٍ باكية، وفي كل قلبٍ واجدٍ. فإذا غبتم عن أنفسكم، فمتى تعودون؟
أَنَا مَنْ أَهْوَى وَمَنْ أَهْوَى أَنَا
نَحْنُ رُوحَانِ حَلَلْنَا بَدَنَا
يقولون أن البعد يذيب القلوب، وأنا أقول أن العيون التي لم ترَ، أدركت من البعد ما لم تدركه العيون التي رأت. فإذا افترقنا، فلا تحزنوا على ما فات، بل استمعوا لما سيأتي. فالأذن تعشق قبل العين أحياناً، وصدى الذكرى أشد بقاءً من صورة زائلة.
لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلاَّ وليدُهُ
إذا غابَ عنهُ لَمْ يُبَالِ بِهِ