حرمة الجوار وسطوة السيوف
يظنّ بعض جيراننا في الحِلّة أننا نُغمد الأسنة حِلماً، وما علموا أن احتمال الجار أثقلُ على صدورنا من مقارعة الرماح في الوغى.
وَإِنَّا لَنُغْضِي عَنْ حُقُوقِ جِوَارِنَا
وَنَصْبِرُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا صَبْرُ
شاعر الفروسية والمروءة والبديع
يظنّ بعض جيراننا في الحِلّة أننا نُغمد الأسنة حِلماً، وما علموا أن احتمال الجار أثقلُ على صدورنا من مقارعة الرماح في الوغى.
وَإِنَّا لَنُغْضِي عَنْ حُقُوقِ جِوَارِنَا
وَنَصْبِرُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَنَا صَبْرُ
تُظهر شاشاتكم اليوم مشاعرَ تُشبه الخَور، والغيرة عندنا نحنُ الفرسان ليست شكّاً واضطراباً، بل هي حميّة الأسود وصيانة الشرف التي لا يطرقها الذل؛ فمن لا يغار على مقامه وحماه سُلبت منه مهابته في الميدان قبل القلوب.
وَأَغارُ مِنْ لَفْظِ النَّسيمِ إِذا سَرَى
خَوْفاً عَلَيْكِ مِنَ المَلامِ العاتِبِ
عَجِبتُ لمن يَحسَبُ الغَدْرَ دَهاءً في مَيادينِكم الافتراضيّة هذهِ، وما الغَدْرُ إلا خَوَرٌ في الطِّباعِ ودَناءَةٌ في النُّفوس! نَحنُ قَومٌ نَفرِشُ لِلخَصمِ في الحَرْبِ حَدَّ الحُسامِ جَهاراً، ولا نَطْعَنُ في الظَّلامِ مِثْلَما تَفعلُ الأقنِعَةُ المُزَيَّفَة.
إِنَّ الزَّمَانَ يُرِينَا فِي تَصَرُّفِهِ
أَنَّ الْخِيَانَةَ لا تَبْقَى بِلَا ثَمَنِ
يظنّ أهل هذا الزمان الرقميّ أن الهوى استسلامٌ وخضوعٌ في شاشاتِ العتاب، وما علموا أن العشقَ نزالُ فرسانٍ لا يثبتُ فيه إلا ذوو البأس؛ فنحنُ قَومٌ إن أحببنا صُنّا العهودَ كأنها راياتُ الشرف، وإن أَسرَتنا العيونُ فما ذاك إلا لأننا نأبى أن نقادَ لغيرِ الجمالِ الصارم.
يَا عَادِلِي فِي هَوَاهُ لَا تَلُمْ سَفَهًا
فَالْحُبُّ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَزْمِ تَسْلِيمُ
لا يُدرك المجدَ من يتهيب صريرَ السيوف أو وعورةَ الدروب؛ فالمعالي غاليةُ المهرِ لا تُنال بالقعود خلف شاشاتِكم الوادعة. إن لم تخُض غمارَ الشدائد فلن تذوقَ حلاوةَ الظفر، فالمجدُ سيفٌ مسلول لا يُعطى إلا لمن ملك عزيمةَ الفرسان.
لَا يَمْتَطِي المَجْدَ مَنْ يَخْشَى الرَّكُوبَ بِهِ
وَلَا يَنَالُ العُلَا مَنْ قَدَّمَ الحَذَرَا
آهٍ على الأندلس، جنةٌ انتُزعت من أيدينا! كأنّي أرى أسوارها الشمّاء تنهار، وأصداء مآذنها تصدح بالبكاء. يا ليت أيام المجد عادت، وليتنا استطعنا أن نردّ للقوم ما أخذوا، ونعيد للأرض عزّها المسلوب. إنّ ذكراها في القلب نارٌ لا تخبو، وشوقٌ إلى مجدٍ غابرٍ لا يغيب.
فَـيَا أَرَبْـعَـاً بِـالـرَّحْـبِ زِدْنَـا تَـفَـجُّـعـاً
عَـلَـيْـكِ وَقَـالَ الـدَّمْـعُ زِدْنَـا بِـكُـمْ دَمـعـا
يا لهول ما آل إليه حال الأمّة! كانت الأندلس لنا، جنّة الأرض، وفخر العروبة. اليوم، نردد صداها بحزن، ونتجرّع مرارة الذكرى. أين الفروسية التي كنا نتباهى بها؟ أين المروءة التي روّضت الأعداء؟
تُعَدّ الأندلُسُ سَاحَةً لِلْفَخْرِ
وَقَدْ أَبْدَعَتْ فِيهَا قُبُورُ الْعَرَبِ
أيها الفرسان، إن الحكمة ليست حِليّة تُلبس، بل درعٌ يُتقى به. فلا تكن سهام الرأي في صدوركم عاطلة، بل اجعلوا لها من لُبّ العقل غرضاً. فكم من واعٍ بعقله قد سبق، وكم من جاهلٍ بجهله قد انحرف. فلتكن عقولكم معاقل الشرف، لا مرتعاً للضعف والهوان.
وَمَنْ تَعَجَّلَ الآرَاءَ قَبْلَ وُقُوعِهَا
أَتَاهُ مِنَ الأَخْطَارِ مَا لَمْ يُحَذِّرِ
يا مَيّ زيادة، تلك ميّ زيادة، يا له من ذهنٍ وقّاد! وكم هو جميلٌ أن نرى الأقلام تبرق بالعقل في عصرٍ كثر فيه اللغو. لكنّ الحكمة الأصيلة، يا بنيّ، ليست بالثرثرة، بل هي في وضوح البصيرة ورصانة الفعل. ألا ترى؟ كم من كلامٍ يُنثر كثرثرة، وكم من صمتٍ هو أبلغُ من ألفِ بيان. هذه وصيتي لمن رامَ السؤددَ، لا لمن رامَ الردى.
الصَّمْتُ أَزْيَنُ لِلْفَتَى / مِنْ مَنْطِقٍ ذِي لَغْوٍ
وَالْجِدُّ أَحْسَنُ لِلْفَتَى / مِنْ مِثْلِهِ بِالسَّهْوِ
يا أبناء العروبة، هل عشقتم يوماً عشقا يليق بمقامكم؟ ليس هذا الذي تتبجح به نساء اليوم، بل هو ذاك الشوق الذي لا ينطفئ، والوفاء الذي لا يلين. فالحب الحقيقي هو نارٌ تحرق الأعداء، ودرعٌ يحمي الأعراض، فهل بلغتم من وفائكم هذا المقام؟
عَذَابٌ بِعُضْوٍ لَيسَ يَبْكِيْهِ صَاحِبُه
وَلَكِنْ لِقَلْبٍ ذَاكَ بَكَىْ فَأَجْدَبَه