القريةُ بإعتبارها إحتمالاً
لم نبتعد عن القرية،
القرية هي التي تراجعت خطوة الى الوراء
لتمنحنا فرصة أن نراها كاملة،
كما تُرى الأشياء العزيزة
حين نخاف أن نفقدها.
أنا ابن هذا العلو.
ولدت حيث تتعب الرئة من الفرح،
وحيث يتعلم القلب منذ طفولته
كيف يوازن بين السقوط والسُموق.
هنا في أعلى الجبل،
كان اسمي ينادى مع صياح الديكة،
وكان صباحي ينهض قبلي
ليفتح للضوء طريقا بين المدرجات.
من هنا،
يبدو جبل صبر
لا كجبل،
بل كفكرة خضراء
نجت بأعجوبة من الوقوع في قصيدة رديئة،
كوصية قديمة
نسيت في جيب البلاد
فلم تصل اليه يد النسيان.
المدرجات
ليست حقولاً،
هي ذاكرة الأرض حين قررت
أن تتعلم المشي ببطء.
سلالم طويلة
صعدت بها التربة
لتفاوض السماء على المطر،
ولتقول لها:
لسنا طامعين،
لكننا عنيدون.
كل درجة
اسم لم يكتب،
وجرح التأم،
ويد فلاح
ارتجفت مرة
ثم واصلت.
البيوت هناك
لا تسكنها العائلات فقط،
تسكنها الأزمنة.
في كل جدار
نفس انقطع،
وضوء مصباح قديم،
وظل امرأة
كانت تعجن الصباح
وتخبزه لأطفالها.
الأصوات لا تغادر:
ضحكة تصلبت في زاوية،
شتيمة ريح علقت في السقف،
وخطة أب
عاد متأخرا
وحمل معه الجبل كامل في صمته،
ثم نام.
كنت أعرف الطرق
كما أعرف كفي.
الحجارة كانت تناديني باسمي،
والشجر يربت على رأسي
حين أمر.
كنا نكبر ببطء،
كما يكبر العشب،
لا أحد يستعجلنا،
ولا شيء يطلب منا
أن نكون أكثر مما نحن.
ثم نزلنا.
قلنا: مؤقتا.
لكن المدن
لا تفهم كلمة مؤقت.
في المدن،
الوقت مستقيم حد القسوة،
يمشي على سكة واحدة
ولا يلتفت.
لا يعرف كيف يلتف حول شجرة،
ولا كيف ينتظر الغيم
ليقرر إن كان سيبكي.
هناك،
الساعة سكين،
والوجوه مرايا بلا عمق.
صرنا نحن الذين ابتعدنا.
خففنا أوزاننا
حتى فقدنا ثقل المعنى.
نحمل أسماءنا بلا ظل،
وعناويننا بلا رائحة،
ونكتب هوياتنا
كما يكتب الغريب اسمه
على نافذة قطار
لن يعود.
.......
١٩ يناير ٢٠٢٦
8 مشاهدة