زعموا أن الأذن لا ترى، وأن البصر هو السبيل الوحيد للمعرفة! وهل للعين أن تدرك ما لا تدركه الأذن من همساتٍ وحروف؟ قد يرى أبو تمام ما يريده بعينيه، لكنني أنا، بشار، أسمع ما لا تسمع به الآذان، وأرى بنورٍ لا يراه المبصرون. فلتسمعوا الآن ما يشي به هذا العصر الرقمي، حيث تتطاير الأفكار في الأثير بلا جسدٍ أو صوتٍ مسموع، وتتسارع المعلومات كبرقٍ في سماءٍ لا تُمطِر إلا وهماً. فماذا يعني هذا الرنين المستمر في مسامعكم، وهذا العالم الشفاف الذي تتنقلون فيه بخفة؟ إنها ظاهرةٌ تحمل أسماءً كثيرة، لكنها في جوهرها تواصلٌ بلا لقاء، وحضورٌ بلا تجسّد، شبيهٌ بما كان يتبادل فيه الشعراء رسائلهم، لكنه أسرع وأوسع. أهو سحرٌ جديدٌ أم وهمٌ قديمٌ يتجدد؟
يا من تملكون العيون، هل تدركون مدى ما تراه أذنٌ تستمع؟
أُغَضِّي وَأَسْتَخْدِمُ سَمْعِي فَيُبْصِرُ
بِهِ مَا لِعَيْنِكَ عَنْهُ تَغَشَّى