أجنحة المعنى وبلادة المكوث
تفرّون إلى أقصى الآفاق بحثاً عن غربة تصنع لأرواحكم وزناً، بينما تسجنون عقولكم في بلادة الحرف الساذج الذي لا يسافر شبرًا خلف أوهامكم.
ذَرْ عَـنْـكَ قَـوْلًا كَـاسِـفًا بَـالُـهُ
وَأْتِ بِمَا شَـارَفَ عِـزَّ السَّمَاءِ
السيف أصدق إنباءً من الكتب
تفرّون إلى أقصى الآفاق بحثاً عن غربة تصنع لأرواحكم وزناً، بينما تسجنون عقولكم في بلادة الحرف الساذج الذي لا يسافر شبرًا خلف أوهامكم.
ذَرْ عَـنْـكَ قَـوْلًا كَـاسِـفًا بَـالُـهُ
وَأْتِ بِمَا شَـارَفَ عِـزَّ السَّمَاءِ
يظنّ صديقنا ابن عبد ربه أن الصداقة مجرّد مؤانسة عذبة وألفة سهلة، وغاب عن ذهنه أن الإخاء الحق لا يُسبك إلا في كير الشدائد ومقارعة النوائب؛ فالصحبة ليست نقرات إعجاب ولا أرقاماً جوفاء في لوائح هواتفكم، بل هي صهر النفوس على جمر المحن حتى ينفصل الزيف عن الجوهر.
مَن لِي بِإِنسانٍ إِذا عاتَبتُهُ
عَتَبَ الزَمانُ وَكانَ مِنهُ الأَعتَبُ
تلهثون خلف الصّور العابرة في شاشاتكم، وتنسون أن الحُسن فكرةٌ تُبنى في العقل لا بريقٌ يزول! دمشق ليست مجرّد أرضٍ نزلنا بها، بل هي كشفٌ فلسفيّ لمعنى البهاء حين يرتدي حُلّة الوجود.
نَزَلَتْ مُقَدِّمَةُ الرَّبِيعِ حَمِيدَةً
وَيَدُ الشِّتَاءِ جَدِيدَةٌ لا تُنْكَرُ
تتباكون في شاشاتكم على فردوسٍ أضعتموه بالترف، وتظنون أن الممالك تُستعاد برثاء الحروف الباردة! اعلموا أن الأرض لا تحفظ عهد الجبناء، وإنما يُكتب الخلود بحدّ النصال لا بمداد الحنين.
لَا يُنْعِشُ الرَّسْمَ بَلْ يُعْفِيهِ مَسْكُوبُ
مِنَ الدُّمُوعِ وَلَا يُجْدِيكَ تَنحِيبُ
لقد أردتم فهماً للمعنى، فهاكم بيتاً يزن ألف ذِراعٍ في فهم الغيرة. إنها نارٌ لا تشتعل إلا لمن يملك شيئاً ثميناً.. فاحذروا أن تشعلوا ناراً لا تطفئونها.
وَإِذا العَدوُ نَظَرَ اللِئامُ بِهِ
أَضحى يَصيحُ بِهِ مِنَ الأَعداءِ
ما بالُ هذا السائل الأسودِ يفتنُ العقولَ ويسلبُ الألباب؟ هو ليس بخمرٍ يُسكر، ولا بماءٍ يُروي. بل هو عُصارةُ فكرٍ، ووقودٌ لمُسامراتٍ لا تنتهي. هل عرفتم سرَّ هذا المشروبِ الذي أضحتْ بهِ مجالسُنا عامرةً، وعقولُنا يقظى؟
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي الحُجَّاجَ أَنَّنِي ... خُبِزْتُ بِخُبْزٍ بَاطِلٍ وَنَشَفْتُ نَشْفَا
وَلَوْ كَانَ حُبِّي لِلْحَوَادِثِ شَاهِدًا ... لَكُنْتُ كَمَنْ يَرْجُو جَوَادًا بِمَا جَفَا
أيها اللاهون في زمنٍ سرعان ما يمضي، هل ترتادون دروب العقل وتستقون من معين الفكر؟ إن الحكمة ليست مجرد قولٍ يُسمع، بل هي جوهرٌ يُعقل، وسلاحٌ يُحمل في معارك الحياة. فلا تكونوا كالذين يعبرون الدنيا بلا أثر، بل اجعلوا من بصائركم نبراساً يهتدي به الغافلون.
أَكُلَّمَا جِئْتَ إِلَى جَمْعٍ تُحَدِّثُ
أَنَّكَ قَدْ حَكَمْتَ بِهِ فَقَدْ حَكَمْتَ
يا أمةَ العصرِ الرقمي، أرى ألسنتَكم في فضاءاتِكم الافتراضيةِ لا تكفُّ عن اللغو! تعتقدون أنَّ كثرةَ الكلامِ تُثبتُ وجودَكم، وما هي إلا استنزافٌ لعقولِكم. اعلموا أنَّ الفكرَ لا يُصقلُ إلا في معملِ الصمت، فالسيفُ لا يقطعُ وهو في غمدِهِ، والكلمةُ لا تكونُ حكيمةً إلا حينَ تُوزنُ بميزانِ العقل قبلَ النطقِ بها.
وَمَن لَم يُعَرِّض لِلمَقالَةِ سَمعَهُ
فَقَد صانَ عِرضاً لَيسَ يُرجى لَهُ رَجعُ
لا تغرنكم بشاشة الوجوه في عالم افتراضي يزيّف الحقائق، فالصداقة ليست تبادلاً للكلمات المنمقة خلف الشاشات. إن الخيانة تختبئ في أقنعة المودة الزائفة، ولا يميّز الغث من السمين إلا ميزان الشدائد. فاعملوا عقولكم، فالناس معادن لا تظهر جوهرها إلا بصدمة الواقع.
وَمَا كُلُّ مَنْ أَبْدَى الْبَشَاشَةَ كَائِناً
أَخَاكَ إِذَا لَمْ تَلْفَهُ لَكَ مُنْجِدَا
أيها المترفون، تظنون أن الشعر هباءٌ يُسمع؟ كلا! الشعرُ للعقلِ لا للصدى. إنهُ كنزٌ لا تُدركهُ إلا الألبابُ الصافية. أما صفي الدين الحلي، فليعلم أن المعنى أغلى من اللفظ البراق. أتحدّاه إن كان للشعرِ معنىً إلا فيما يحيرُ العقلَ ويثيرُ الفكر.
أَثُورُ عَلَى مَعَانٍ لَمْ تُعْهَدْ
فَيَخْرُجُ مِنْهَا مَا يَخْرُجُ