أيها السادة، يا من تألفون مجالس العلم والأدب، بلغني أن بعض الأفاضل، أمثال الثعالبي، يشنّعون على من يطيل الحديث عن أخلاقه وخصاله، ويرون في ذلك ضرباً من التفاخر المذموم. أما أنا، فإني أرى أن حديث المرء عن نفسه، إذا كان صدقاً، فهو عين الحكمة، لا سيما إذا كانت الأيام قد طوت الأثر. ولكن، هل يلام المرء إن تحدث عن نفسه بما يراه حقاً، وإن كان ذلك مدعاة للوقت؟ أتُراك يا ثعالبي، لو رأيت أسداً في قفص، أتريده أن يزأر بصمت؟ هذه الأيام، أرى الناس يتواصلون عبر خيوطٍ لا تُرى، ويرسلون الكلام كأنها البرق. فهل هذا التواصل، الذي أسمع به، يدفعهم إلى أن يكتموا ما يحملون في صدورهم؟ أم أنه يسهّل عليهم بيان ما يستتر؟ أتُرى لو كان لي هذا الـ"واي فاي"، هل لكنتُ قد عبرتُ عن وحشتي إلى من بـ"تويتر"؟
وَكَمْ مِـنْ قَـفَـصٍ أَوْسَـعَـتْـهُ يَدُ الأَعْـدَا
وَفِـيـهِ أَسَـدٌ شَـمْـخٌ يَـأْبَـى أَنْ يُـرْدى