فوضى الحروف
/
ازدحمت الأفكار في رأسي حتى صارت أشبه بساحة حرب صغيرة؛ تتدافع، تتشابك، تُسقِطُ بعضها، وتبحث بلا كلل عن مساحة ضيقة للبقاء في زوايا الذاكرة.
وفجأة… أفلتت فكرة واحدة. كانت صغيرة الحجم، لكنها شديدة اللمعان. تدحرجت خارج الزحام، ولم تستطع بقية الأفكار الإمساك بها. هربت وهي تصرخ كأنها تستنجد، وارتد صداها في الغرفة، ثم عبر الجدران، و انساب إلى الشارع.
فرك الجيران أعينهم، ظنّوا أن شجارًا اندلع في بيتي.
ركض البعض نحو الباب، طرقوه بعنف، وبدت نظراتهم متخبّطة:
— "مين عم يصرخ؟"
— "شو في؟ شو صار؟"
لكن لم يكن أحد يعرف.
لا أنا… ولا هم.
كل واحد منهم سمع الصرخة بشكل مختلف.
جارتي أقسمت أنها سمعت صوت امرأة تُظلَم.
العجوز في الطابق الثاني قال إنها ضحكة ساخرة.
والشاب الذي لا يثق بأحد ظن أن أحدهم يحاول الهروب من جريمة.
وطفلٌ مرّ قرب البيت زعم أنه رأى أقنعة تمشي بلا وجوه.
حاولتُ التقاط الفكرة الهاربة، لكنها كانت تزداد شفافية كلما اقتربتُ منها، حتى صارت مجرّد خيط دخان يلتف حول المدينة ويمتزج بفوضاها.
وفي الخارج… كان الناس يتجمّعون، يتهامسون، ويختلقون روايات.
كل واحد يحكي نسخته وكأنها الحقيقة المطلقة.
أما الحقيقة؟
فكانت تركض في الشوارع بلا اسم، بلا شكل، وبلا يدٍ تمسك بها.
كان كل شيء مثيرا للجدل…
صرخات ليلٍ أشعث،
وتأويلات غير قابلة للنقض،
وصخبٌ هتك عباءة السكون.
ولا أحد يعرف من أين بدأت الفوضى، ولا إلى أين تتجه.
---
غفران سويد